" اللغة القومية "وحقوق الإنسان
د.عاطف إسماعيل أحمد إبراهيم
رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية
كلية التربية - جامعة عمر المختار
مقـــدمــــة
إن مسألة اللغة القومية بالنسبة للأمة العربية والإسلامية ليست ترفاً فكرياً يتناوله المفكرون ؛ بل قضية وجود أو عدم وجود . وعلينا أن نفكر بجد في إعادة بناء جيل قيادي متكلم بالعربية الحقيقية ، عربية القرآن ، جيل قادر على بناء الجملة العربية الصحيحة ، على توظيفها واستعمالها والتواصل بها ؛ من أجل إحسان ربط الصلة بالتراث العلمي والحضاري للأمة.
فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان. كانت قضية اللغة العربية ـ باعتبارها جزءاً جوهرياً لا يتجزأ من مفهوم (إقامة الدين) ـ قضيةً من أهم قضايا مشروع التجديد والإصلاح، فلا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم والشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري . ولذلك تعيش اللغة العربية اليوم أزمة شديدة ضمن مشروع استعماري للهوية العربية وسعياً نحو أمية لغوية تعزل المسلم عن كتاب ربه وسنة نبيه ، وتفصله عن تراثه الإسلامي الأصيل.
وانطلاقاً من مباديء ثورة الفاتح العظيم التي تدعو للحرية واحترام الإنسان وخصوصياته ، متمثلة في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
وانطلاقاً من ذلك جاء البحث ليناقش أحقية اللغة القومية في الصون والصيانة والترميم وأن هذا حق من حقوق الإنسان ، خاصة في تدخل بعض الدول التي ترى في نفسها وصية على غيرها ، وأعطت نفسها حق التفتيش والتدخل في المناهج العلمية .
فتناول الفصل الأول اللغة القومية وموقفها من حقوق الإنسان ، وفيه تم عرض القوانين التي تعزز اللغة القومية كحق من حقوق الإنسان ، من خلال تناول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته وبيان مؤتمر الشعب العام الذي صدر في القاهرة بمدينة سبها ، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا من خلال الحقوق الثقافية المتضمنة حق صون وصيانة وترميم اللغة القومية ، ثم الحديث عن الوثيقة وماهيتها وضماناتها القانونية .
ثم جاء الفصل الثاني متضمناً التبعية اللغوية والفكرية من حيث المفهوم والمصطلح ، والانفتاح والتبعية ، وأسباب هذه التبعية ، وفائدتها ، وعالميتها ، ومظاهرها المتعددة ، ونظرة غير العربي للغة العربية .
ثم عرض الفصل الثالث صوراً متعددة لتعدد القوميات في العالم ، ودور اللغة في تحديد القومية نحو القومية الروسية ، والصينية ، والبلجيكية ، والسويسرية ، والأمريكية ، والسودان باعتبارها منطقة متعددة القوميات ، وتجربة السودان في إنشاء قانون للتخطيط اللغوي ، ثم القومية العربية . ثم عرض صور من الاعتزاز باللغة القومية في العصر الحديث . وكذلك عرض صور من آراء بعض المفكرين حول القضية ، نحو: الأستاذ فهمي هويدي ، والسفير الفرنسي باتريس باولي ، والمفكر الألماني" آرنت" ، والأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني ، والأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير ، والأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي من المغرب العربي باعتبارها منطقة صراع لغوي بين العربية والفرانكفونية والأمازيغية ، ثم الحديث عن اللغة القومية واللعبة السياسية ، والمبادرة الأمريكية لتعليم اللغات الحرجة لأبنائها .
ثم جاء الفصل الرابع يناقش تنمية اللغة القومية من خلال اللغة القومية ووسائل الأعلام ،واللغة والثقافة والإعلام ، والعربية وأزمة الفكر ، والازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها ، والازدواجية أو الثنائية اللغوية والبرامج التليفزيونية .
وجاء الفصل الخامس يناقش اللغة القومية والتربية والتعليم ، وتم تناول النقاط التالية : الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية ، ولغة التدريس ، وتدريس اللغة ، والعرض المبسط لقضية التعريب لإصلاح التعليم ، وبيان خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر .
ثم جاء الحديث عن أخطر ظاهرة لغوية تربوية ، وهى ظاهرة التدني اللغوي في التعليم وأسبابها ، والعلاقة بين التعليم واللغة ، البعثات العربية في الجامعات الغربية ، وواجب مدرسي اللغة ومعدي المناهج التعليمية ، والتعليم الأجنبي في الوطن العربي ، وتدريس العلوم العلمية باللغة الإنجليزية ، واللغة العربية والانترنت ، واللغة العربية ولغة الإدارة ، ثم ختمت الدراسة بتقديم المقترحات والتوصيات التي ظهرت من خلال البحث .
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
د. عاطف إسماعيل أحمد
ليبيا – درنـة
12/06/2008م
الفصل الأول
اللغة القومية حق من حقوق الإنسان
تعزيز اللغة القومية كحق من حقوق الإنسان ، ومن خلال :
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته.
- البيان الأول للثورة .
- بيان مؤتمر الشعب العام الذي صدر في القاهرة بمدينة سبها.
- الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
- الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا وطموحات شعب.
لا يوجد حق صريح مستقل يحمل اسم اللغة القومية ؛ ولكنه حق تضمني قائم على علاقة التضمن ، أي أن بعض الحقوق تتضمن حق اللغة القومية ، ويمكن تحليلها على الوجه التالي:
- حق التعليم .( حق التعليم باللغة القومية ، والاعتزاز بها وصونها وصيانتها)
- حق حرية الرأي والتفكير ، وحفظ تراثه وصونه .
- حق التدين وحق الحفاظ على مادة الدين والحفاظ عليها.
تعزيز اللغة القومية من حقوق الإنسان :
إن اللغة القومية أو الوطنية تعزز الثقافة والهوية القومية ، وأي إهمال لها يعد تخريباً جذرياً للغة ، وعند تناول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته نجده يحمل في طياته ما يؤكد دور اللغة القومية وأهميتها في تحقيق احترام خصوصيات الإنسان كما في :
المادة 22 : لكل شخص، بوصفه عضوا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية .
التعليق :
(هنا إشارة لكل مقومات الثقافة الإنسانية ، وإشارة إلى مقومات الحقوق الاجتماعية ، واللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية تنمو بنمو المجتمع وتنحط بانحطاطه فهي ، لسان الثقافة المعبر ، ومرآة المجتمع بها نعرف كل شيء عن المجتمع فرداً فرداً ، وطائفة طائفة )
وكذلك المادة 26 :
بند 1(لكل شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. ويكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم (بند2( يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام)بند3(للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأولادهم )
التعليق :
(إن كان هذا الإعلان كفل للإنسان حق التعليم ، وحق اختياره ، فمن حق الإنسان أن يطالب بأن يتعلم لغته القومية ، ويطلب من الآخرين عدم التدخل في شؤونه التعليمية ، وبالتالي ليس من المنصف أن تتدخل دولة ما في تعديل المناهج التعليمية لدولة غيرها ، فلكل شعب ظروف تاريخية وجغرافية وحياتية وعادات وتقاليد وديانات وتراث خاص وبالتالي ثقافة خاصة ، ولتنته حماقات الأمم المغرضة التي تفرض نفسها ولغتها وعاداتها وثقافتها على الآخرين ليس من أجل كرامة الإنسان ؛ بقدر ما هي تطاول عليه وانتهازه ، وعدم احترامه للآخر .)
المادة 27 "
بند 1 ( لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفى الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه (بند 2 (لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه) ([1])
التعليق :
(لكل إنسان حق التمتع بالجوانب الثقافية المنتشرة والمناسبة لإماكنياته الشخصية والمادية ، وبما يتناسب مع ثقافته ومستواه الثقافي ، لكي يستطيع التعبير عن نفسه جيداً ، ويكون عنصراً فعالاً ، وليس ذلك فقط ؛ بل له الحق في حفظ مصالحه وحقوقه المادية والمعنوية ، وحفظ كل ما تجود به قريحته من إنتاج أدبي أو علمي ، فهل ترى للغة القومية نصيباً يحتاج من يهتم به ، ويضحي من أجله).
البيان الأول للثورة :
عندما نقرأ في البيان الأول للثورة نجده يحمل هم الأمة على عاتقه ، قائلاً :
" فهاتوا أيديكم ، وافتحوا قلوبكم ، وانسوا أحقادكم وقفوا صفا واحدا ضد عدو الآمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية ، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا، وهكذا سنبني مجدا ونحيي تراثا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب ."
هنا دعوة للاعتزاز بالأمة واللغة مقوم من مقومات هذه الأمة، فهذه مشاعر لا تتجزأ. فمهانة اللغة والعداء عليها من العداء على القومية والوطنية والدين . وأي منكر ، أو متنكر لهذه الحقيقة ينطبق عليه ما نص عليه أيضاً في البيان ، في قوله " والمحسوبية والخيانة والغدر ..." وبعدها قام يدعوا فقال :" بعون الله إلى العمل إلى العلا ، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية ."
بيان مؤتمر الشعب العام صدر في القاهرة بمدينة سبها:
ولنتعرض لبيان مؤتمر الشعب العام صدر في القاهرة بمدينة سبها في 12 ربيع الأول 1397 هـ ، الموافق 2 مارس 1977 م وفيه ما يلي : " ويعلن التزامه بتحقيق الوحدة العربية الشاملة، ويعلن تمسكه بالقيم الروحية ضماناً للأخلاق والسلوك والآداب الإنسانية ، إن الشعب العربي الليبي وقد استرد بالثورة زمام أمره ، وملك مقدرات يومه وغده، مستعيناً بالله متمسكاً بكتابه الكريم أبداً مصدراً للهداية وشريعة للمجتمع ".
هنا القرآن الكريم وجه وأساس الدين ، وسنامه ، ولغتنا لغة ديننا وإهمالها إهمال للدين فلو همشت قضية اللغة همش دور الدين ، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من ينكر هذا البيان (ثانياً): القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية.
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان:
ونعرض أيضاً ما جاء في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان تبدأ الوثيقة بـ(باسم الله ... وإيمانا منه بأن حقوق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليست هبة من أحد ..."
البند العاشر من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان يعبر عن أن الدين أساس من أسس الحياة به يسعد الإنسان لأنه من عند الله ولغتنا من عند الله، سيقول:" أبناء المجتمع الجماهيري يحتكمون إلى شريعة مقدسة ذات أحكام ثابتة لا تخضع للتغيير أو التبديل وهي الدين أو العرف، ويعلنون أن الدين إيمان مطلق بالغيب وقيمة روحية مقدسة خاصة بكل إنسان عامة لكل الناس، فهو علاقة مباشرة مع الخالق دون وسيط ".
أما البند (الرابع عشر من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، يتضمن الصحة الجسدية وحق الطفل في التعليم وغيره من الحقوق التي تضمن له السعادة ، أليس من المنصف أن يتمتع بالصحة اللغوية التثقيفية والفكرية إلى جاني الصحة البدنية، لأننا نبني إنساناً متكاملاً ، فلابد من التوسع في فهم المصطلحات وتوسيع المضامين فيقول:" المجتمع الجماهيري متضامن ويكفل لأفراده معيشة ميسرة كريمة، وكما يحقق لأفراده مستوى صحيا متطورا وصولا إلى مجتمع الأصحاء يضمن رعاية الطفولة والأمومة وحماية الشيخوخة والعجزة، والمجتمع الجماهيري ولي من لا ولي له." وفي البند (الخامس عشر ) من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان أن يتمتع الإنسان بالتعليم المناسب هذا الحق يكفله له القانون ، واللغة هي أساس اللغة قراءة وكتابة وكل شيء عندما يجيدها يجيد كل شيء ، وعندما لا يجيدها يقل فهمه ، ولا يفهم نصوص القوانين ويبعد عن تراثه وأهله وينسلخ من جنسه ، فيقول : " التعليم والمعرفة حق طبيعي لكل إنسان" .
والبند (السابع عشر ) : من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان يدعو إلى التمسك بالقيم والمثل ،والحفاظ علي كل سبب من أسباب الوحدة والترابط بين الناس في الخير من أجل ٌإقامة وطن قومي متماسك الفئات والطوائف ، وفيه :" أبناء المجتمع الجماهيري يؤكدون حق الإنسان في التمتع بالمنافع، والمزايا والقيم والمثل التي يوفرها الترابط والتماسك والوحدة والألفة والمحبة الأسرية، والقبلية، والقومية والإنسانية؛ ولذا فإنهم يعملون من أجل إقامة الكيان القومي الطبيعي لأمتهم ".
والبند (الثالث والعشرون) : من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، يدعو إلى احترام حقوق الآخرين في التفكير ويدعو للسلام ومن مقتضيات السلام مع الآخرين احترام ثقافتهم ولغتهم ، وجميع خصوصياتهم السياسية والاجتماعية والدينية. وفيه :" أبناء المجتمع الجماهيري يؤمنون بأن السلام بين الأمم كفيل بتحقيق الرخاء والرفاهية والوئام.
ويدعو القانون إلى احترام حرية الإنسان في التعبير عن نفسه ، وما دام أنه أعطى الحرية ، فاللغة هي وسيلة التعبير عن الرأي وسلامتها من سلامة هذا التعبير ، وهي شخصية المجتمع فأي عداء عليها هو عداء على مقدرات الشعب الثقافية ، وأساس من أسس الاتصال والترابط بين أجزاء المجتمع .
- قانون رقم 20 لسنة1991م ، المنبثق من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، وبشـأن تعزيـز الحريــة .وسنعرض المواد التي تتضمن ما سيتم التعليق عليه :
المادة الثالثة : الدفاع عن الوطن حق وشرف لا يجوز أن يحرم منه أي مواطن أو مواطنه.
لقد تغير مفهوم القومية والمواطنة في كل دول العالم اليوم، المواطن هو الذي عاش فترة من الزمن في أحد البلدان ، ويتكلم لغة هذا البلد ، ويفكر بتفكير أهله ، واندمج في مجتمعه حتى لو لم يكن يمت بأي صلة لهذه الدولة.
" وهذا هو ما استقرت عليه قواعد القانون الدولي ، وأكده ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته ، ومادته الأولى .فقد جاء في ديباجة الميثاق ، يؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره . "([2])
لا يخلو دستور دولي من تحديد لغة القطر الرسمية التابعة له ، فالدستور المصري في مادته الأولي أن اللغة الرسمية للبلاد اللغة العربية ، وكذلك القانون الليبي وجميع قوانين البلاد كون اللغة تمثل عنواناً لثقافته وهويته ، ورمزاً لسيادته الوطنية ، ومقوماً من مقوماته الحضارية والإسلامية الأصيلة التي يجد جذوره في كون هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم ، وأن جميع الشعوب التي تحترم تاريخها وهويتها ومستقبل أجيالها تقدم النموذج على مدى الاهتمام بتطوير وتنمية استعمال لغتها الوطنية في كل مجالات الحياة وتحاول حماية ذلك بقوانين صارمة.
فإن منظمة (اليونسكو) تحث أمم الأرض قاطبة أن تكون كل العلوم بلغاتها الوطنية، إن كانت تريد المشاركة في إنجاب العلماء، لأن أقصى ما تصل إليه أمة تدرس العلوم بلغة غيرها أن تظل تابعة ومستوردة ومستهلكة للنظريات والاختراعات الجاهزة المستوردة.
يقول الدكتور محمد عبد الله الركن ، أشار فيه إلي أن مأساة فقدان الهوية الوطنية تكتمل عندما تشرع مؤسساتنا التربوية في الاستنكاف عن استخدام اللغة العربية أو السعي لمنافستها باللغة الإنجليزية. فلا أحد يمانع في مجاراة العصر واستخدام لغته الأساسية, ولا يجادل أحد في أهمية اللغة الإنجليزية في بعض جوانب الحياة العملية. ولكن أن تصير هذه اللغة هي الأساس والمحور الذي تدور عليه كل تعاملاتنا وعلاقاتنا وتصوراتنا ، فذلك مما يخالف دستور الدولة وقوانيها ، كما انه يمثل عدوانا علي هوية وثقافة أبناء البلد.([3])
إن اللغة القومية ليست مجرد رطانة تلوكها ألسنة الشعوب، بل هي حقوق والتزامات ، وواجبات ، ولكنها من تجليات الانتماء والهوية ، لذلك فلن تكون هناك وحدة وطنية بدون لغة وطنية. ألا تري من خلال ما تم عرضه هنا أن اللغة القومية وصونها والاعتزاز بها وصيانتها وترميمها حق من حقوق الإنسان .
كما كانت الحرب العالمية الثانية نهاية حرب الحلفاء مع النازية، وبداية حرب الحلفاء فيما بينهم. وكانت تلك معركة المصالح والشعارات والعقائد التي جرت آخر فصولها على أرض العرب، ودفع ثمنها العرب، وأتت على كثير من مقومات القوة والحيوية والوجود لدى العرب .
إن العربية الفصحى ليست لغة تخاطب فحسب ، ولكنها لغة عبادة ، يقرأ بها القرآن ، وتتم بها مواثيق الزواج ، ومن يتهاون في أمرها أو يفرط في شأنها ، فإنما يفرط في جزء من دينه وعقيدته ، فاللغة وعاء كبير يحوي فكر المجتمع وثقافته، وهي مرآة لكل ما يموج به هذا المجتمع من نشاط([4]) " وأن الحياة الاجتماعية كما نعرفها لا يمكن تصورها بدون اللغة نشاط " وأن الحياة الاجتماعية كما نعرفها لا يمكن تصورها بدون اللغة "([5]). رغم التعدد اللغوي الكبير في أرجاء المعمورة ، وما قيل : أنه " يوجد من اللغات بقدر ما يوجد من البشر "([6]) وهذا التعدد مرده إلي رافد واحد وهي لغة آدم عليه السلام ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) " نجد بعد ذلك جماعة من المفكرين يتبنون فكرة أن اللغة أساس القومية منهم ماكس نورداو "([7]). وأن لعلاقة العربية بغيرها من " قبل استبدال الحرف اللاَّتيني بالحرف العربي، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي."([8])
لقد مر أكثر من نصف قرن على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن الربع الأخير من القرن العشرين هو الذي شهد توسعاً وانتشاراً للحديث عن حقوق الإنسان . أن الخرق الفاضح والمستمر لحقوق الإنسان وفي كل الأحوال لا يعطي لمنظمات حقوق الإنسان حق لعب دور القاضي أو المحكمة، بل تقع عليها مهمة الكشف ومتابعة حالات الخرق والمساعدة في إصلاحها، بما فيها لجوءها للقضاء وتقديم ما لديها من معلومات تخدم ذلك.
إن اللغة واحدة من أهم الصفات التي تميز الإنسان عن جميع الكائنات الحية الأخرى، فاللغة في كل أمة وعاء تراثها وأداة تعبيرها وركيزة انتمائها وغرس مثلها ومبادئها وتثقيف ناشئتها وتعليمهم ما تحويه من آداب وأخلاق ، فإذا كان القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أعلمنا بأن اللسان العربي بينٌ فإن اللغة العربية قادرة على الإبانة والاستيعاب لما جد وما سيجد ، وأي قصور يبدو فهو من قصور أهلها. فاللغة هي وسيلة الاتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال ، فهي اجتماعية الأصل والفروع ، وهي" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"([9]) ، وهي أداة التعبير عن الفكر ، وغرس الأخلاق والفضيلة في الأمم إلى جانب السلوك القدوة. فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا . إن الخلل الحقيقي ليس في اللغة العربية وإنما فينا فكلما ضعفت الأمة ضعفت لغتها فلا شك أن اللغة العربية هي مرآة الأمة ووسيلة لتبادل الثقافات وفي مجتمعاتنا العربية تنتشر مظاهر الاحتلال الثقافي ونشر الثقافة الغربية في بلادنا باللغات الأجنبية وللخروج من هذه الحالة ما علينا سوى مقاومة الاحتلال والحث على استعمال اللغة العربية. فإذا كانت اللغة هي بوتقة الحضارات، فإن الإنسان هو حامل هذه البوتقة فطالما ابتعدنا عن ديننا الحنيف اضطلاعا وتطبيقا. فقد ابتعدنا عن لغتنا الأم اللغة ذات القواعد السليمة كالقرآن. وأصبحنا متخلفين ومتعصبين وفارغين وقبليين.
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا وطموحات شعب :
أن الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير تعبر عن طموح شعب لأول مرة يعبر عن نفسه بنفسه وللآخر ، فاستحق بها حق الريادة الشعبية لهذا الموضوع الذي كافحت الشعوب طويلا كفاحا مريراً من أجل الحصول عليه . إذن فالوثيقة الحقوقية الشعبية التي صدرت في البيضاء يوم الثاني من شهر الصيف عام 1988 ف ، التي سميت بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير " هي أعظم إسهام حقوقي في قضية حقوق الإنسان " . ([10])
وإن الشعب الليبي الذي اكتسب جدارة ممارسة السلطة الشعبية وامتلك بها زمام أمره وتحكم بصيرورة الحياة الاجتماعية فوق أرضه من حقه بما يملكه من إرث عرفي إنساني عظيم وهو يؤمن بدين سماوي مقدس وما تراكم لديه عبر حقب تاريخية وعصور حافلة بالمقاومة ، وما مر به من ويلات وألم وعذابات ناتجة عن الغدر والخيانة فمن حقه أن يعبر عن جدارته بالحرية . ([11])
وأن حقوق الإنسان ظهرت في مرحلة معينة من التاريخ الإنساني ، وتعبر عن نضال الإنسان من أجل البحث عن حقوقه ، فالإنسان هو الذي يحصل على هذه الحقوق ، وهي نتاج كفاح إنساني لإعادة تنظيم الحياة بما يكفل جميع الحقوق فيها ، وهى تقترن بالواقع المعيشي. فهذه الحقوق الإنسانية على اختلافها تمثل الوعي بالحاجات والمطالب الأخلاقية هكذا هي نتاج وعي الإنسان بسلبيات نظمه الاجتماعية وتتوجه نحو الإنسان كما يجب أن يكون . وتمتاز بأنها تنطلق من الواقع وليست حلولا مباشرة لمشاكل الواقع .ولا يحدها الزمان ولا المكان ، ولا تخص مجتمعا معينا أو ثقافة معينة .وتخاطب الإنسان بكافة شرائحه ، أي أنها تتوجه للإنسان كإنسان ما وراء التنوع الاجتماعي الثقافي الديني ، وتفقده العدوانية بدون أن تلغيه .
فإن الفكر الجماهيري( النظرية الثالثة ) بصمات واضحة على الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988. وإذا لم يتم استيعاب هذا الفكر ، فإنه من الصعب بمكان استيعاب الوثيقة وبنودها . ([12])
إن اعتزاز الإنسان بإرادته وكرامته وحريته هي التي جعلته يسعى دائماً وأبداً للحصول على حقوقه الأساسية التي تفرضها طبيعته ، وأن حقوقه وحرياته الأساسية لم تتقرر وتتأكد بيسر وسهولة ، ولكنها أصبحت على ما هي عليه بعد كفاح مرير قدمته الشعوب من أجلها وعندئذ تعززت حقوق الإنسان شيئاً فشيئاً ، وتم النص عليها في القوانين الداخلية ، ثم اتسعت فشملت العالم كله ، وظهرت في صورة إعلانات ومواثيق دولية . ولكن العبرة بمدى تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع والتمتع بها من قبل أصحابها ، وإلا لم يكن لها أي جدوى إذا بقيت حبيسة النص النظري . ([13])
والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان هي وثيقة فلسفية (عقائدية) تضمنت جملة من المبادئ الأساسية التي ينبغي مراعاتها عند صياغة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك فيما يخص تنظيم علاقة الدولة بغيرها من الدول، وهي لا يمكن وضعها موضع التنفيذ إلا بعد صياغتها في قواعد قانونية (أي قوانين جاهزة للتطبيق) وهذا ما قام به المشرع الليبي عندما بادر بإصدار القانون رقم (20) لسنة1991 بشأن تعزيز الحرية والقانون رقم (15) لسنة 1427 بشأن حماية الطفولة، وبالتالي فإن البحث عن القيمة القانونية للوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان إنما يكون من خلال القوانين المنفذة لها ولاسيما منها القانون رقم (20) لسنة91 بشأن تعزيز الحرية. ([14])
الفصل الثاني
التبعية اللغوية والفكرية
الانفتاح الفكري والثقافي والتبعيّة
أسباب التبعية اللغوية
عالمية التبعية اللغوية
سر الرغبة الأوربية في السيادة اللغوية
مظاهر التبعية اللغوية
الإنسان وحب المعرفة اللغة العربية عند غير العرب
المكانة العلمية للغة العربية : الحضارة والثقافة
التبعية اللغوية والفكرية:
التبعية من التابع والتتبع ، والسير وفق ما يتبعه الغير، وأتبع أثره وأتبعه زاده. وأتبع القوم: سبقوه فلحقهم. يقال: تبعتهم فأتبعتهم أي تلوتهم فلحقتهم. ([15]) اللغة في كل أمة وعاء تراثها وأداة تعبيرها وركيزة انتمائها وغرس مثلها ومبادئها وتثقيف ناشئتها وتعليمهم ما تحويه من آداب وأخلاق ، فإذا كان القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أعلمنا بأن اللسان العربي بينٌ كما إن اللغة العربية قادرة على الإبانة والاستيعاب لما جد وما سيجد ، وأي قصور يبدو فهو من قصور أهلها. فاللغة هي وسيلة الاتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال ، فهي اجتماعية الأصل والفروع ، وهي" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" ([16])، وهي أداة التعبير عن الفكر ، وغرس الأخلاق والفضيلة في الأمم إلى جانب السلوك القدوة. فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا . إن الخلل الحقيقي ليس في اللغة العربية وإنما فينا فكلما ضعفت الأمة ضعفت لغتها فلا شك أن اللغة العربية هي مرآة الأمة ووسيلة لتبادل الثقافات وفي مجتمعاتنا العربية تنتشر مظاهر الاحتلال الثقافي ونشر الثقافة الغربية في بلادنا باللغات الأجنبية وللخروج من هذه الحالة ما علينا سوى مقاومة الاحتلال والحث على استعمال اللغة العربية. فإذا كانت اللغة هي بوتقة الحضارات، فإن الإنسان هو حامل هذه البوتقة فطالما ابتعدنا عن ديننا الحنيف اضطلاعا وتطبيقا. فقد ابتعدنا عن لغتنا الأم اللغة ذات القواعد السليمة كالقران. وأصبحنا متخلفين ومتعصبين وفارغين وقبليين.
الانفتاح والتبعيّة:
الانفتاح مصطلح عرف لدي بعض المبهورين بما لدى المستعمر من مرونة ووعي وعلم ، فاتخذوه سلماً للتبادل الحضاريّ – كما يدعون - ، رغم أنّه لم يحقّق للأمة سوى التضليل الذي جعلها تقبل بالاستلاب والتبعية ؛ لأنّه في الأصل تبعية عمياء ، فهو مصطلح عائم ومضلل لم يخدم الأمّة، ولم يُبَصّرها بعواقب القبول بثقافة عدوّها، لأنّه فُرِض على الأمّة قسرًا ، ورغم كل الشروط التي حاولت أنْ تُقنّن له، أو تضبطه، إلا أنّه لم يُستثمر إلا استثمارًا سلبيًّا في تغريب الأمّة ومحاولاً اقتلاعها من جذورها ، فهو انفتاح قسريّ إجباريّ ، وغدونا رهينة ثقافة الاستلاب والتبعيّة، وأصبحت أجيال المثقفين فراغاً علميّاً دون مرجعيّة، ودانت الخبرات التراكميّة للثقافة الأوروبيّة القائمة على الفلسفة اليونانيّة، والثقافة الرومانيّة، والمسيحيّة المفرغة من عقيدة التوحيد، والتدين المليئة بالجديد من سم الفلسفات الأوروبيّة الحديثة ، التي أخضعتنا لمساو يء العلمانيّة ، وحلم الديمقراطيّة الزائف، فانجرفنا في تيار العولمة الجارف .
أسباب التبعية اللغوية :
تتفاوت طبيعية ومستوى المعوقات التي تتحكم في مسار نشر الثقافة العلمية والتقنية وتتفاوت ردود فعل المجتمعات العربية إزاء مفاهيم العولمة. عدم حسم كثير من قضايا حماية الملكية الفكرية. ضعف دور المجتمع المدني ، ضعف دور المؤسسات القطرية والقومية ، إلا أنها تتسم بملامح رئيسة يمكن صياغتها في السياقات التالية:
1- السياق الاقتصادي والتقني:
السياق الاقتصادي، عدم تحرير الأسواق العالمية، غياب التكتل والاندماج الاقتصادي ، التخلف الاقتصادي ، انكماش فرص العمل، البطء في إقامة نموذج اقتصادي جديد ، التبعية التقنية، غياب الترجمة العلمية، عدم توفر مصادر المعلومات، قصور جهود البحث العلمي، تهديد أمن شبكات المعلومات العربية.
2- السياق الفكري الثقافي:
بسبب تفشي الأمية ، وهيمنة الخرافات ، فقر الثقافة ، وعدم الاهتمام بالعلوم ، ندرة الاهتمام بالمكتبة والكتاب العلمي المبسط ، اهتزاز القيم الثقافية، استئناس التنوع الثقافي ، غياب الحوار بين العلوم والفنون، تجاهل التفكير العلمي .
3- السياق التربوي:
وتتلخص أهم مشكلات التربية والتعليم في :
- تهميش العلماء وعزوفهم عن نشر الثقافة العلمية .
- عدم كفاية التعليم اللاصفي .
- ضعف النظم التربوية ، التبعات الباهظة للاقتصاد التربوي.
- عدم تحقيق غايات التربية ، مع ضعف إرادة التجريب والتطويع.
4- السياق اللغوي:
تطويع اللغة العربية ، ضعف أساليب تعليم اللغة العربية ، عدم تطوير برمجيات ذكية لتعليم وتعلم اللغة العربية ، تهميش اللغة العربية عالمياً ، تغريب اللغة العربية.
السياق الإعلامي: قصور الإعلام العربي ، تبعية الإعلام للسياسة ، حيود الإعلام عن مهامه الرئيسية ، سطوة شبكة الإنترنت على الإعلام ، تسطيح الإعلام العربي ، عدم اكتراث متلقو الثقافة العلمية.
فالثقافة محور عملية التنمية في مجتمع المعرفة ، واللغة الأم محور منظومة الثقافة المتجذرة والأصيلة بلا منازع ، وتشرفت اللغة العربية بأنها حملت أبلغ المعاني وأرقى الصور البلاغية بوصفها لغة القرآن الكريم وهو شرف اختصت به هذه اللغة وهي تعبير حي عن الثقافة البشرية وهي تهب الحياة لتنوع التجارب الإنسانية. وبقدر ما يعتبر التنوع الو راثي ملكاً مشتركاً يجب حمايته، فإن التنوع اللغوي أيضا إرث عالمي يستحق الحفاظ عليه ، للغة أهمية في حياة الشعوب وأثرها في تقدم الأمم وازدهارها . فاللغة العربية لغة القرآن الكريم، واسترجاعها ليس فقط مطلبًا وطنيًا، لكنه واجب أمام الله تعالى.
عالمية التبعية اللغوية :
فالتبعية داء يصيب اللغات العالمية جميعها ، ولكنه بشكل نسبي وتتحكم فيه عوامل عدة ، ويظهر في عدة أشكال كما يطلق عليه في عرف اللغويين (القرض اللغوي ) ، ولكنه عندما يخرج من إطاره يصبح مرضاً .
اللغة العربية التي شرفها المولى تعالى بأن جعلها لغة خاتم كتبه إلى الناس "القرآن الكريم"، وهي لغة مصدر التشريع للأمة "القرآن الكريم" والأحاديث النبوية الشريفة، ولا تتم الصلاة إلا بها ، ويتحدث بلسانها ما يقرب من 350 مليون إنسان على كوكب الكرة الأرضية. والعربية اسم مشتق من الإعراب عن الشيء يعني الإفصاح عنه، فهي لغة الفصاحة. فاللغة الألمانية رغم أنها لغة صعبة التعلم، وهي لغة فقيرة في عدد جذورها اللغوية، وهم يلجئون دائماً للنحت والاشتقاق، ويضيفون عدداً من الحروف قبل بداية جذر أو بعده لتكتسب الألفاظ معاني مختلفة تماماً.هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تسمعها في كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية .
سر الرغبة الأوربية في السيادة اللغوية:
يتنافس الأوربيون فيما بينهم في نشر لغتهم وثقافتهم بين شعوب العالم الثالث؛ لأن التبعية الثقافية تعود عليهم بالفائدة الاقتصادية في صور أسواق مفتوحة، ومواد (خام) رخيصة، ومشاريع عمرانية وصناعية وزراعية؛ يجنون من ورائها المليارات من الدولارات.
مظاهر التبعية اللغوية :
اللغة أساس وحدة الأمة , ومستودع حضارتها ،إن الاعتزاز باللغة والدين والثقافة والقيم الاجتماعية والأخلاقية لدى شعوب العالم أمر لا يحتمل المساومة، وأنه ضروري من أجل تلاحم الشعب بجميع فئاته وقبائله وزيادة ترابطه وتماسكه. ففي ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومعظم الدول الأوروبية، لا تجد فرداً من عامة الشعب يتكلم بغير لغته القومية.
فمن مظاهر الانهزامية في اللغة:
تعميم تعلم اللغة الأجنبية في المراحل التعليمية الأولى ، وانتشارها في أسماء المحلات والسلع والأطعمة، وكذلك التحدث بها لغير حاجة. مما أدي إلى ترك اللغة وبالتالي أصبح ذلك من مظاهر الانهزامية وحاجة الأمة إلى سياسة لغوية لأن لغة الأمة ميزان دقيق ومعيار أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأداة الحضارة ؛ غير أن استعمال الفرنسية في الحياة العامة الذي بدا أول الأمر مؤقتا، قد ترسخ بصور دائمة في الحقل اللساني المغربي. فالتعلق بالأجنبي ثقافياً وفكرياً، وأصبحت النظرة إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.
فالشارع مزدوج اللغة
إن التحدي الذي يواجه اللغة العربية نتاج انفجار إعلامي راح بعضهم يطلق ألفاظا ليست من لغته كـ(ok) التي لها أكثر من مرادف بالعربية منها (حسن،طيب،كويس) - ويتضح لنا عند التحليل والتدقيق كيف - يسارع العرب إلى التخلي عن لغتهم ، وتظهر لنا النفسية المتخاذلة والضائعة والتائهة عند أغلبهم والتي تبني ، ولا تؤسس، على معرفة مجتزأة وقواعد واهية وتطلعات واهمة . ولا ريبة أن ثمة تصلباً وتحجراً في الآراء والمواقف وتحاملاً على اللغة العربية بحجة التجديد والتحديث والعولمة ، وكذلك في إشارات المرور ، والكتابات على المباني العامة ، وعناوين المحلات ، واللافتات الإعلانية .
فالقانون الفرنسي الصادر في أغسطس (1994م) المتعلق باستخدام اللغة الفرنسية ينص في المواد (2،3،4) على لزوم استخدام اللغة الفرنسية في بيان وتسمية الممتلكات والمنتجات والخدمات وتقديمها وعرضها وكذلك في النصوص الدعائية والإعلانات المخصصة . إن تعايش اللغتين الفرنسية والعربية بارز في كل مكان وعلى جميع مستويات الحياة اليومية. حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة؛ فاضطربت لغة التفاضل، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفاً إلى تخلفهم، وبعض الوثائق مثل الكشوف البنكية ، وبيانات الصيانة على الأجهزة المنزلية ، وسمات الملابس تكتب أحيانا باللغتين وأحيانا تكتب بالفرنسية فقط ، خاصة حين يتعلق الأمر بالمواد المستوردة ، وكذلك الإعلانات التجارية في الإذاعة والتلفزة وفي الصحف : وبهذه القنوات وغيرها تهيأت الشعوب العربية في شتى أقطارها الى إضعاف اللغة العربية وانبهر العرب وبدأوا بجفاء لغتهم في محادثاتهم العادية والهاتفية وتبادل التحية فيما بينهم. وعلى اللافتات تحرر في الغالب باللغتين: أسبانيا يرتادها سنويا أكثر من (خمسين مليون سائح) وتعد السياحة الدخل الأول للدولة ومع ذلك لم يكتب الأسبان أسماء شوارعهم أو تعليمات المرور بلغة أجنبية ولم يغيروا الإرشادات في متاجرهم وطرقها وما يرتاده السائح عادة ، فهل أثر استمساكهم بلغتهم على سياحتهم وهل نفعتنا إرشاداتنا الإنجليزية أو دعمت اقتصادنا ...؟
اللغة والدين :
وبفضل الإسلام وفي ظله ، دانت اللغات التي التقت بها اللغة العربية و جاءت اللغة الفاتحة ، المبشرة بالدين الجديد، فاستمالت لغات شائعة دان أهلها بالإسلام ، فارتضوا لغة كتابة المقدم بديلاً من لغاتهم ، أبدعوا في اللغة الجديدة ، بقدر إيمانهم بالدين الوافد ، فجعلوا منها اللغة العالمية ، انعكاساً للرسالة التي جاءت رحمة للعالمين . واعتزت اللغة العربية كما عز العرب أنفسهم بعزة الإسلام ، وعاشت أزهى نمائها ، وأوفى عطائها عرفت كيف تكون الجسر الأمين لعطاء الحضارات الأخرى للحضارة العربية الإسلامية . ولكنها تعاني من الانحطاط والتبعية ، فهان أمرها على الناطقين بها ، والكائدين لها .وكما اعتزت اللغة العربية بعزة الإسلام في الصدور ، هانت بهوانه في النفوس ، وعرفت الحضارة العربية الإسلامية عهودها المظلمة وركودها الفكري ، وخمودها الإبداعي ، فانكفأ العطاء إلى انزواء ، وأعقب التفتح انغلاق كثيف الحجب ، واليد العليا ارتدت إلى مقابلتها السفلي ، فكان ما كان من هوان العروبة والإسلام . فكيف نطلب ممن يحاربون الدين وتعاليمه أن يدافعون عن العربية . ص 46 :فالأمة العربية ليست بدعاً بين أمم الأرض .فهي تمتلك نظاماً لغوياً دقيقاً محكماً ، أهله ذلك لأن ينتقي ليكون النظام اللغوي الذي تبلغ من خلاله إرادة الله تعالى بكل تفاصيلها . ([17])
أعتقد أن العروبة شعور وإحساس وآمال وانتماء وطني ولغة عربية ودين إسلامي وإقليم وطني، ونحن هم الذين يتمثلون تلك الأوصاف. إذن هذه هي هويتنا ولا يمكن الانطلاق إلا بعد رسوها الكامل على شاطئ الأمان والاستقرار.
فاللغة العربية جامعة الشعوب التي ارتضت الإسلام ديناً ، والكتاب المنزل شريعة ، فكيف يتنكرون لها ، فمن يتنكر لها يتنكر للدين . فهناك حقيقة لابد أن نضعها في أذهاننا مفادها :
- أن الله اختصنا من دون البشر برفع لواء اللغة ، وهي وعاء الدين ، فكل من يري في نفسه شيئاً منها فهو غير جدير بتحمل مسئوليتها .
تشرفت اللغة العربية بأنها حملت أبلغ المعاني وأرقى الصور البلاغية بوصفها لغة القرآن الكريم وهو شرف اختصت به هذه اللغة وهي تعبير حي عن الثقافة البشرية وهي تهب الحياة لتنوع التجارب الإنسانية. وبقدر ما يعتبر التنوع الوراثي ملكاً مشتركاً يجب حمايته، فإن التنوع اللغوي أيضا إرث عالمي يستحق الحفاظ عليه.
للغة أهمية في حياة الشعوب وأثرها في تقدم الأمم وازدهارها . فاللغة العربية لغة القرآن الكريم، واسترجاعها ليس فقط مطلبًا وطنيًا، لكنه واجب أمام الله تعالى. اللغة العربية التي شرفها المولى تعالى بأن جعلها لغة خاتم كتبه إلى الناس "القرآن الكريم"، وهي لغة مصدر التشريع للأمة "القرآن الكريم" والأحاديث النبوية الشريفة، ولا تتم الصلاة إلا بها ، ويتحدث بلسانها ما يقرب من 350 مليون إنسان على كوكب الكرة الأرضية. والعربية اسم مشتق من الإعراب عن الشيء يعني الإفصاح عنه، فهي لغة الفصاحة.
إن لغات العالم جميعها وبمرور الأيام طرأت عليها تغيرات مما أدى تقدمها ولكن تلك التغيرات لم تظهر بصورة طبيعية إنما ظهرت بصورة رئيسة نتيجة التطور التكنولوجي، خاصة بعد ظهور الطباعة، فضلاً عن ذلك يجب أن لا ننسى تأثير ودور النقاد والمصححين اللغويين في مجال تطور اللغة. وبذلك كان للأدباء والكتاب مع تكنولوجية العصر دور كبير في حفظ وتطور اللغة. اللغة العربية والإسلام طاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما والفصل بينهما هو الذي أدى إلى تأخر المسلمين في فهم الإسلام فاللغة العربية وعاء الإسلام ، ووعاء الثقافة الإسلامية ، وهي لغة مقدسة وقد أدرك المسلمون ذلك فهبوا إلى خدمتها من مختلف الأجناس والأوطان لأنه استقر في يقينهم أن خدمتها خدمة للإسلام وانتشاره وظهوره والارتقاء بفهمه ، فلغتنا العربية هي لغة القرآن الكريم وربما تقطيع أوصال الوطن العرب إلى دويلات بحيث تستقل كل دولة بلهجتها خلف حدودها هو هدف خبيث سعى إليه المستعمرون وقد نجحوا في جعل اللغة العربية تندب حظها من أبنائها .
تمكن اللغة الإنسان من ممارسة التفكير والحياة الاجتماعية وتساعده على التأثير في غيره من الناس وتساعده على تلبية مطالبة الجسمية والمادية وترتقي في تلبية حاجاته حتى تصل إلي نقل الأفكار وتبادل المعارف وتعطيه شعوراً بالانتماء لأمة معينة ([18]) .
المكانة العلمية للغة العربية :
إن الأعاجم حريصون علي تعلم اللغة العربية والتعمق فيها وذلك ليس لأغراض مادية بحتة ؛ بل من أجل الحفاظ عليها وصيانتها و حمايتها من كل سوء. والحقيقة أن علماء باكستان والهند و بنجلاديش وغيرها من الدول العجمية لا يجيدون المحادثة باللغة العربية كما كان هو المطلوب. و هذا شيء طبيعي لأنهم لا يجدون بيئة اللغة العربية حولهم ولكنهم يقومون بذلك للحفاظ علي لغة القرآن ويحافظون عليها ويتعمقون فيها.
وهي اللغة التي بنى بها المسلمون حضارتهم وتقدمهم الفكري والعلمي، ولما ضعفت، توقفت معها حضاراتهم وتقدمهم، ولم نسمع في التاريخ عن أمة تقدمت في أي مجال من المجالات بلغة قوم آخرين؛ فلا اليابانيون ولا الصينيون ولا الهنود غيروا لغتهم حتى يحدثوا تلك القفزة الصناعية والعلمية في بلادهم. أما نحن العرب فقد غيرنا كل شيء - حتى أسماء أبنائنا- حتى ندرك التقدم، فأصبحنا في ذيل الأمم، فلم نحتفظ بلساننا الذي من خلاله يحدث التقدم والرقي، ولا أتقنا لغة غيرنا، وإن إتقانها فلن تغير فينا، فهي ليست لغة الوجدان الذي نشأ على العربي ، فيمكن اللغة العربية أن تتسع لكل ما يصدر عن العقل البشري من علوم ومعارف وآداب ، فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا .
والاهتمام باللغة الأم موضوع قديم عند رجال الفكر الإنساني من مفكرين وفلاسفة فنجد عددا من فلاسفة الغرب ومفكريه قد أشار إلى أهمية اللغة الأم، فنجد «هردر» الألماني يقول: إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، وقلب الشعب ينبض في لغته، وروحه تكمن في لغة الآباء والأجداد». والتاريخ الألماني يجسد لنا أبرع ، وأروع صور احترام اللغة القومية في قول «بسمارك» عندما سئل عن أفظع الأحداث التي حدثت في القرن الثامن عشر أجاب: «إن المستعمرات الألمانية في شمال أميركا اتخذت اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها». يقصد الجاليات ألمانية في شمال أميركا، وعند حصول هذه المستعمرات على استقلالها واتخذها اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها.
وقديما قال سقراط لجليسه: «تكلم حتى أراك» أما اليوم فالشعار هو: تحاور عن بعد حتى يراك الآخرون وتراهم، ومن ثم ترى ذاتك أنت وهي بعيدة عنك أو لصيقة القرب منك، في عصر بات فيه سؤال الهوية: من أنا؟ ومن نحن؟ مطروحا بشدة على أوسع نطاق ومن هنا كانت اللغة الأم هي هوية المرء وهوية الأمة التي ينتسب إليها في الوقت نفسه، إنها رمز لكيانه وثقافته ودالة على المستوى الحضاري الذي بلغته أمته، وإنها القلعة الحصينة للذود عن الهوية والوحدة القومية .
وإنه لكي نتواصل مع العالم بقوة ينبغي أن نكون مدركين للغتنا بشكل جيد وثقافتنا .
فاللغة العربية مكانة في نقل شتى العلوم الطبية والهندسية والفلكية إلى جميع أنحاء العالم ،عن طريق العديد من العلماء المسلمين القدامى ، نحو : عمار بن علي الموصلي، وابن النفيس. وظهور الآلات الجراحية كما في كتاب "عمل اليد" للزهراوي، وكتاب "المرشد في الكحل" للغافقي.
فقد احتلت اللغة العربية مكانة مرموقة في حياة الأتراك منذ دخول الإسلام إلى تركيا في عهد القراخانيين (932- 1212م) وكانت لغة التعليم الأولى، ولكنها في ظل قيام الجمهورية التركية التي جعلت اللغة التركية عنصرًا أساسيًا من عناصر القومية التركية. رغم الدور الذي تقوم به الوقفيات التركية في الحفاظ على تعليم اللغة العربية في تركيا ، لأنها دولة إسلامية يمثل عدد المسلمين بها 99% من إجمالي عدد السكان .
فعدم تدريس اللغة العربية للطفل في باكورة حياته يجعله مشوش العقل والوجدان لا هو قادر على التعامل مع مجتمعه ولا هو قادر على التعبير عن ذاته." فهي محاولة للوقوف على قيمة المعرفة وجدوى الثقافة " ([19]).
وقد درس علماء العربية المبادئ الأساسية في تعليم الصيغ، وأهمها أربعة: مبدأ الاقتصاد اللغوي، ومبدأ تعليل اللفظ، ومبدأ الأصالة والفرعية، ومبدأ شمولية التكاثر بالاشتقاق والنحت دون سائر اللغات.
اللغة قدر الإنسان، ولغة الإنسان هي عالمه، فهي ولاء وانتماء، وثقافة وهوية. وهكذا بدأ د. علي أحمد مدكور ورقته: " اللغة العربية وتعريب العلوم: العلاقة والتأثير المتبادل" وأكد على أن لتعريب العلوم مقاصد كثيرة منها ما يتصل بالتنمية الإنسانية الشاملة للأمة، ومنها ما يتصل بالأمن الثقافي والاقتصادي..الخ. وأكد على أننا بحاجة لإثارة وعي السياسيين في الوطن العربي بخطورة المشكلة اللغوية، فنحن في زمن اللحاق أو الانسحاق.
أن تدريس العلوم باللغة العربية عنصر جوهري لمنظومة التنمية البشرية، وخطوة أساسية لتأصيل العلم والأسلوب العلمي لدى أفراد الأمة.
الحضارة والثقافة :
وأما الحضارة فهي من الحاضر ضد البادي، والحضارة ضد البادية وهي المدن والقرى والريف والبادية، كذا ذكر صاحب مختار الصحاح، هذا اشتقاقها من حيث اللغة، وأما تعريفها كمصطلح فقد عرفها مالك بن نبي بأنها كل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية، تمثل جميعها أشكالاً مختلفة للمساعدة التي يريد، ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه. فتبين بذلك أن مفهوم الحضارة عنده شديد الارتباط بحركة المجتمع، وأن الثقافة تمثل جزءاً من الحضارة، فالحضارة على هذا أشمل جهة من حيث المعنى من الثقافة. " أعتقد أن العروبة شعور وإحساس وآمال وانتماء وطني ولغة عربية ودين إسلامي وإقليم وطني، ونحن هم الذين يتمثلون تلك الأوصاف. إذن هذه هي هويتنا ولا يمكن الانطلاق إلا بعد رسوها الكامل على شاطئ الأمان والاستقرار" .
ودخلنا إلى حدود الدول الأوروبية الأخرى، يظهر لنا أن اللغة التي تكون أساس اللغة القومية هي اللغة المحلية، وليس مهماً أن ينطق بها أقلية ، لكن بشرط أن تكون لتلك الأقلية سلطة سياسية مستقلة. ومثال على ذلك تعد اللغة القومية الفرنسية هي اللغة الأساسية لشعب فرنسا، كان (50%) منن أصل الفرنسيين في سنة (1789) لايتحدثون بتلك اللغة، وإن نسبة المتحدثين بها بصورة صحيحة لا يتجاوز (12-13%) ولكن اللغة الفرنسية كانت لها دولة استطاعت على الأقل أن تجعلها أو تعدها (لغة قومية). وكان الأساس الرئيسي لوحدة إيطاليا هي اللغة الإيطالية، التي أصبحت سبباً لتوحيد ثقافة أشباه جزرها بقراءها وكتابها، وتشير الإحصائيات إنه عند توحيد إيطاليا في سنة (1860) كان نسبة (2,5)% من سكان إيطاليا تستخدم اللغة الإيطالية في حياتها اليومية. كذلك كانت لإيطاليا هدف توحيد ساكني تلك الدول التي تتكلم باللغة الإيطالية. كما أن استقلال بولونيا ووحدتهم كان على أساس (جميع أولئك الذين يتحدثون باللغة البولونية ومن قومية واحدة)، كذلك أم ظهور الدول الأوروبية الأخرى في الربع الثاني من القرن التاسع عشر كاليونان وبلغاريا ورومانيا والبانيا يوغسلافيا وهنغاريا والجيك والسلوفاك... كان على أساس اللغة، فكل دولة من تلك الدول لها لغة خاصة بها تميزها عن الأخرى. كما أن فناء أو عدم بقاء السلطة العثمانية والإمبراطورية النمساوية أيضاً لها سبب في اختلاف لغات تلك الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرتها، لذلك فإن تلك الشعوب جميعها التي لم تتكلم اللغة التركية كانت بعيدة عن السلطة العثمانية، وفي الوقت نفسه تلك الشعوب التي لم تتكلم اللغة الألمانية فهي كانت بعيدة أيضاً عن الإمبراطورية النمساوية. لذلك يقول البعض أن الأحداث التاريخية جميعها لها أساس نظري وهو أن (اللغة هي أساس القومية) ويقولون أيضاً أن تلك الأحداث التاريخية جميعها تثبت تلك المشاكل التي ظهرت نتيجة اختلاف اللغة وأصبحت سبباً أيضاً في بناء الدول من جديد وتحديد حدودها حسب لغة سكنيها. فضلاً عن تلك الدلائل التاريخية على نظرية (اللغة أساس القومية) إلا أن النقاد يستندون إلى الأحداث التاريخية والسياسية لتثبيت أفكارهم، كما يسألون ويقولون: إن كانت اللغة هي عامل رئيسي للقومية فيطرح السؤال التالي، وهو لماذا لم تكن للغة دور رئيسي قبل القرن التاسع عشر؟ كذلك يسألون ويقولون: إن شعب بلجيكا يتحدثون بلغتين مختلفتين وشعب سويسرا يتحدثون بلغات أربع مختلفة أيضاً، وبالرغم من انفصال الولايات الأميركية المتحدة عن بريطانيا، إلا أن لغتهم هي الإنكليزية. وإن الكوريتين الشمالية والجنوبية تتحدثان بلغة واحدة، ومع ذلك تعدان دولتان مستقلتان. كما أن الدول العربية بصورة عامة يتحدثون باللغة العربية، ومع ذلك فإنهم منقسمون إلى أقسام عدة([20])
اللغة العربية عند غير العرب::
فاللغة ذات صلة وطيدة بالمجتمع الذي تمارس فيه أدوارها ووظائفها , فكان غير العربي يعرف المجتمع العربي وما فيه من خلال دراسته للإنتاج الأدبي العربي كما عرف الناس جميعاً المجتمع المصري من خلال قصص نجيب محفوظ ، ويحيي حقي وعبد القدوس وغيرهم ، أما العرب المحدَثون ، فمن الواضح أن السليقة تخونهم في نواحي كثيرة من الاستعمالات اللغوية والجوانب المنطقية المتعلقة باللغة العربية، وبخاصة فيما يتعلق بالمترجم منها ، رغم أنهم كثيراً ما يهللون لكل أجنبي يتفوه بكلمات عربية ، وكأن تعلم اللغات أضحى شيئاً غريباً عجيباً على الناطقين بالضاد وإتقانُ أجنبي للعربية معجزةً من معجزات العصر ، تفتر لها ثغور العرب ، لاسيما الإعلاميون منهم، ويسيل لعابهم لرؤية شابة أو شاب يتحدث اللغة العربية بشيء من التمكن والبراعة والطلاقة. وربما يحتاج هذا الأمر إلى شاهد عِيان ، ولا شك أن التجديد والتغيير سنة الحياة وظاهرة صحية في اللغة. فإن سيميائيات التواصل ترى أن وظيفة اللغة الأساس تكمن في تمكين الناطقين بها من الاتصال والتفاهم . ([21])
الإنسان وحب المعرفة:
اللغة هي وسيلة اتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال فهي اجتماعية الأصل والفروع وهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم واللغة طريقة إنسانية ومتعلمة لإيصال الأفكار والانفعالات والرغبات . ويقول هيد جر اللغة منزل الكائن البشري ([22]) تشكل المعرفة هم الإنسان الأول للتعرف على ما حوله ، ومن حوله ، والسعي الدائم المتواصل للحصول عليها في سبل التكيف مع متطلبات الحياة . اتبع ذلك دخول العالم العصر الجديد لانتقال المعلومات متمثلا في الانترنت ، الذي دخل البيوت والمكاتب وكل مرافق الحياة ، وكان الأسرع على الإطلاق في الانتشار والوصول إلى كل مرافق الحياة . لقد شهدت البشرية نقلة نوعية مع دخول الانترنت . وأصبح الانترنت ناقل معلوماتي من الدرجة الأولى ، بالإضافة إلى استخداماته الأخرى . والكثير من مستخدمي الانترنت في الوطن العربي الآن دون المستوى المطلوب للتعليم ، ولهذا من الصعوبة جدا التواصل مع التطورات في عالم الانترنت . مع غياب الرقيب العربي ، وعدم وجود رقيب عربي على مواقع الانترنت عموما . مع عدم امتلاك المستخدم للغة إنجليزية مما يحرمه الحصول على المعلومة الصحيحة . حاول الاستعمار منذ بداية القرن العشرين تجزئة الأمة العربية وتفتيتها إلى دويلات لكي يضمن لنفسه البقاء جاثما على خيراتها.
قد أصيب المجتمع العربي الإسلامي بحالة من الانحطاط والإنهاك العام ، وقد كان كياناً موحّداً، فمزّقته الأنانية السيادية تحت عباءة نظام الجمهوريات الملكية ، فجعلتها تهمل البناء الحضاريّ والعلميّ والثقافيّ حتى وصل الأمر إلى مرحلة التخلّف والفقر والأميّة ، فعزل المسلمون عن لغتهم العربيّة، وعن مرجعيّتهم الفكريّة (القرآن والسنة) ، كما أنها أنهكت قوى المجتمع الإسلامي البشرية والماديّة، وامتصتها لصالح الجيوش والحروب ، دون أن تشعر بأدنى مسؤوليّة تجاه مواطنيها؛ فأهملت الأمن، والعدل، والعلم، والثقافة، والمرافق، والخدمات وتركتهم تحت مطرقة الظلم الاستعباد ، وعاد نظام الالتزام، والاحتكار وأصبحت طبقة الشرفاء الأصليين البقرة الحلوب التي تدرّ لهم (الجنود والمال والإنتاج) التي تغذّي طبقة النبلاء المتسلقين ، ومنافقيهم ، فجنت على المجتمع الإسلامي ، فشاخت أفكارنا، ومرضت قلوبنا ، وأمرضت معها المجتمع الإسلاميّ بكامله ، وجعلتنا لقمة سائغة أمام الاستعمار الأوروبيّ، الذي كان ولا زال يتربّص بنا الدوائر، وينتظر لحظات انهيارنا.
نحن أمام احتلال صليبي جديد تظهر طلائعه الثقافيّة التي تسبق جيوشه لتعهد إلى احتلال الأوطان والأدمغة معاً. وتتعرض الأجيال المسلمة من الدخل وفي الداخل لعمليّة استلاب فكريّ وثقافيّ هائل، فأوشكت معارفها النظريّة غربيّة في قالب وإطار غربيّين! شاملة الفكر، والمنهج، والمصدر، وأصبحت الشخصيّة العربية الإسلامية مائعة الملامح ، فهذا هو مبتغى طلائع الاستعمار ، الذي فشل عسكرياً ، ويحاول فكرياً ، وكل مقاصده الحصون الفكريّة والثقافيّة الإسلاميّة المتبقّية لدى هذه الأمة ؛ كي تتهاوى واحدًا تلو الآخر . وتكيفه بشكل يتمشى مع العقل الغربيّ في بيئاته وخصوصيّاته وأمراضه ، فأصابتنا حالة من الانفصام النّكد، وأصبحنا نفكّر ونحلّل بطريقة غربيّة، ونسينا الحكمة العربية ، ونسينا مرجعيّتها، ولهثنا خلف فلسفة غيرنا ، وأخذنا بمرجعيّتهم.
الفصل الثالث
الدولة والقومية
صور لتعدد القوميات في العالم
ودور اللغة في تحديد القومية
صور من آراء بعض المفكرين حول القضية
اللغة العربية تتعرض للاحتلال
المبادرة الأمريكية لتعليم اللغة وتعليم اللغات الحرجة:
إن لغات العالم جميعها وبمرور الأيام طرأت عليها تغيرات مما أدى لتقدمها ، ولكن تلك التغيرات لم تظهر بصورة طبيعية ، إنما ظهرت بصورة رئيسة نتيجة التطور التكنولوجي، خاصة بعد ظهور الطباعة، فضلاً عن ذلك يجب أن لا ننسى تأثير ودور النقاد والمصححين اللغويين في مجال تطور اللغة. وبذلك كان للأدباء والكتاب مع تكنولوجية العصر دور كبير في حفظ وتطور اللغة. وإن في تلك العصور التي كانت فيها الحياة الاجتماعية والسياسية بسيطة، قد تحددت العلاقة بين الفرد والحكام. لذلك لم يكن اختلاف لغة الحاكم مع لغة المواطنين سبباً في حدوث مشاكل كثيرة ولكن مع تعقد الحياة الاجتماعية وظهور حكام مختلفين ومتنوعين أدى إلى تعقد العلاقة مابين المواطن ورجال الدولة.
الدولة والقومية :
ثمة فرق كبير بين الدولة والقومية ، فالدولة ذلك الإطار أو البرواز – إن صح التعبير – المكاني الذي يقطنه مجموعة من البشر ربما يربط بينهم رابط من الروابط الإنسانية ، وشعور واحد بين الجميع ، وربما لا يتوفر الرابط الذي يربط . أما القومية فهو رابط أكيد وعام وكبير يشمل مجموعة لا يربطها المكان فحسب ؛ ولكن تربط بينها روابط عديدة منها اللغة . هذا هو الفرق الرئيس بين الدولة والقومية ، نحو :
القومية الروسية :
"وتختلف اللهجات التي يتكلم بها الكرد في الاتحاد السوڤييتي من حيث الاستعارات اللفظية واللغوية ، فمن الناحية اللفظية هناك حروف إضافية في لهجات الكرد بأرمينيا وجورجيا وهي الحروف التي تلفظ مع خروج الهواء Aspiration وقد استعيرت هذه الحروف من اللغتين الأرمينية والجورجية ، بينما تتميز لهجة الكرد في أذربيجان وتركمستان باختلاف لفظ حروف العلة واستعارتها من اللغتين الأردية والتركمانية وهي لغات تركية ، الشيء الغير موجود بصورة ظاهرة لدى الكرد في كردستان تركيا نفسها . أما من الناحية اللغوية فالقاسم المشترك الأكبر بين جميع اللكنات الكردية هو الاستعارة من اللغتين العربية والفارسية ومن اللغة التركية بنسبة أقل كثيرا ، وتختلف باقي الاستعارات باختلاف الأماكن ففي كردستان تركيا توجد استعارات كثيرة من اللغتين الفرنسية والألمانية ، بينما في الاتحاد السوڤييتي أضيفت مفردات روسية عديدة إلى لغة الكرد هناك مع استعارات قليلة من اللغات الأخرى في البلاد ". ([23])
الصين :
ففي الصين عندما عقدت في بكين الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، ومن بين أكثر من 2000 نائب شارك من أبناء الأقليات القومية. فشكلوا خصائص قومية. بأزيائهم ولغاتهم وثقافاتهم مختلفة ، محافظين على لغتها القومية بصورة جيدة ، ولكن رغم ذلك ومما يزيد الصينيون حزناً وأسى أن مجموعة من اللغات القومية القديمة في الصين تنقرض كل سنة أو سنتين ، ومما يجدر بالذكر في هذا المقام أن هناك عدداً كبيراً من اللغات والقوميات المنتشرة في الصين تصل إلى أكثر من مائة وعشرين لغة قومية ؛ ولكنها أقلية .
بلجيكا:
بلجيكا ليست (قومية) ولكنها (دولة) وهذه الدولة تتكون من قوميتين (فالون، فلامان) حيث هناك سلسلة طويلة من العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية ساعدتهم على العيش تحت ظل راية الدولة الواحدة.
سويسرا:
لا تعد سويسرا أيضاً (قومية) ولكنها (دولة) تتكون من (قوميات) عدة يعيشون تحت راية ونظام مشترك.
الولايات المتحدة الأمريكية :
وكما تتوفر عومل متعددة تقوي العلاقات بين الدول وتجتمع حول قومية ما ، فهناك ثمة عوامل تساعد في الفرقة رغم وجود عوامل مشتركة ، نحو العلاقة وثيقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من ناحية اللغة إذ أن لغتها الرسمية هي اللغة الإنكليزية. ورغم ذلك فإنهما غير متوحدان بسبب عوامل عدة، منها:
- إن الولايات المتحدة الأمريكية قد انفصلت عن بريطانيا عام 1776م.
- تم ذلك الانفصال بسبب المحيط الأطلسي الكبير.
- لم تكن اللغة الإنكليزية لغة البيت في أميركا، ولكنها أصبحت كذلك ، فضلاً لعوامل تاريخية وجغرافية واجتماعية كانت لها دور مؤثر في انفصال أميركا عن بريطانيا عام 1776م.
السودان :( إنشاء قانون التخطيط اللغوي)
إن تطورا هائلا قد حدث في مجال مناهج البحث في كل العلوم الإنسانية وآلية الخطاب المعرفي في سياقه التاريخي والاجتماعي ، من بين كل المعارف الإنسانية علوم اللسان والدراسات المتعددة حول اللغة ودورها في المجتمع وربط ذلك بالهوية والقومية وربطها بالحقوق الثقافية .إن التعدد اللساني بثرائه وتنوعه واختلاف اللساني الذي تميز به السودان دون سائر الدول العربية والإفريقية فتح المجال لتعدد الدراسات والبحوث اللغات الموجودة في السودان بمستوياتها المختلفة، من صوتية ودلالية . ففي عام 1997 صدر قانون «قومي» للتخطيط اللغوي وأجيز في حينه والذي أوصى بأن يشكل مجلس قومي للتخطيط اللغوي ، وللنظر في الوضع اللساني في السودان، الذي حدد مجموعة من الأهداف من أولها «السياسة اللغوية ومن ثم نشر اللغة العربية والارتقاء بها بوصفها لغة التخاطب القومي ووسيلة التنمية الاقتصادية» مادة «4» فقرة «أ».ويهدف إلى دراسة واقع اللغات السودانية من حيث كثافة المتحدثين بها وانتشارها واستخدامها في أغراض الحياة المختلفة» مادة 9 فقرة «أ».ومما يظهر التعدد اللهجي العربي في السودان في لغة للتواصل اليومي كلهجة الخرطوم العربية . فكان لزاما علينا من الاستفادة من إحياء تراثنا القومي ووضع برامج للتخطيط اللغوي القومي والسياسة اللغوية. ([24])
القومية العربية :
اللغة وسيلة لتداول الأفكار ، والتفكير في المستقبل واستشرافه ، ولا يمكن أن نتفاهم وكلانا من لغات مختلفة ، واللغة أساس القومية ، ولكن العلاقات الجغرافية والمصالح السياسية والتجارية تساعد على جمع الناس وتأسيس الدولة.
" أن اللغة هي وعاء الفكر " وهي مقولة مشهورة، نجد لها أصل في تراثنا العربي. وكذلك تعريف اللغة: كل لفظ وضع لمعنى، وأنها عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، وأنها لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره؛ فهي إذن كلام مصطلح عليه بين كل قوم، وهي طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال.
أزمة اللغة العربية اليوم واقعة بما هي مبرمجة للاغتيال، ضمن مشروع استعماري تدميري كلي لهوية الأمة، في إطار الاستعمار العولمي الجديد للعالم. لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم الشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري، ومن أخطر أسلحة الاحتواء الاستراتيجي لثقافات الشعوب وتمييعها؛ لإخراجها عن طبيعتها وصبغتها؛ ولولا ذلك لما كانت الفرانكفونية اليوم تجري في تنافس محموم مع الأنجلو سكسونية؛ لاحتلال مواقع التأثير الثقافي في العالم.
القومية العربية واقع حي متواجد وموجود ، ولابد أن يحترم ، والوحدة بين أطراف هذه القومية حلم يراود أبناءها – أفلحوا في ذلك أم لم يفلحوا – وسيظل هذا الحلم عالقاً في الأذهان ؛ بل مطلب حتمي وضروري خلقته الظروف الكبرى التي تخرج عن نطاق الذاتية وتسمو إلى ما هو أسمى ، رغم وجود عوامل عدة صراعات أصبحت عائقاً أمام توحد الدول العربية بالرغم من وحدة لغتهم. فالأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان؛ فما الكلام إلا فعل من الأفعال التي تترجم عن الإنسان ويختبئ دونها، وهي تحمل سيماه سِيما يعرفها الناظر، ويلمسها البصير بالكلام واحدة واحدة. إن القرآن الكريم مثلاً مطبوع بطابع الربوبية، والحديث الشريف مختوم بخاتم النبوة، وكل منها يمتاز بعلامات يلحظها كل من ألقى سمعه، ومدّ بصره وهو شهيد، وكل كلام دونهما يحمل أيضاً بصمات قائله؛ إذ المرء بأصغريْه، والرجل هو الأسلوب؛ على أن اللغة فكر. ويمتاز اللسان العربي بأن من امتلكه يتلقى عن الله مباشرة؛ إذ يشرب من معين القرآن إذا قرأه، وإنما جاءنا القرآن بلسان عربي مبين.
لا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، متزامنة مع المشروع الكلي، وخادمة له، سواء من ذلك ما تعلق بتأصيل الفهم والتلقي للخطاب اللغوي من الوحي خصوصاً، والتراث العلمي الإسلامي عموماً، أو ما تعلق بالبلاغ والتواصل التعبيري المرتبط بالمفاهيم المكوِّنة لهوية الأمة على الإجمال. وأن قضية النهوض الحضاري هي مشروع شمولي كلي؛ فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان .
صور من آراء بعض المفكرين حول القضية
يقول الأستاذ فهمي هويدي : "
يقول الأستاذ فهمي هويدي : " ليست مشكلة لغة, وإنما هي أزمة أمة. ومن المهم للغاية أن يدرك الذين يناقشون منذ أسابيع قضية تدهور اللغة العربية أن ما أصابها هو عرض لمرض يتعين تشخيصه بدقة والإعلان عنه. ولست أجد في التشخيص أبلغ مما عبر عنه ابن حزم في كتابة الأحكام من أن: اللغة يسقط أكثرها بسقوط همة أهلها.
ويقول أيضاً : إن اللغة أيها السادة ليست مجرد رطانة تلوكها ألسنة الشعوب ، ولكنها من تجليات الانتماء والهوية. لذلك فقد صدق من قال انه لن تكون هناك وحدة وطنية بدون لغة وطنية.
وينهي هويدي كلامه بقوله : وإذا صح هذا الذي نقوله فإنه يردنا إلي النقطة التي أثرناها في بداية الكلام ، وهي أن أزمة اللغة هي عرض لمرض أكبر ، أصاب في الصميم همة الأمة وكبرياءها الوطنية والحضارية ، وداء بهذه الخطورة يتطلب تفكيرا في الأزمة من نوع آخر, ومعالجات جذرية علي جبهات عدة ـ والله أعلم".([25])
السفير الفرنسي باتريس باولي:
يقول السفير الفرنسي باتريس باولي ملبياً دعوة وزارة الثقافة الإماراتية له : مفهوم الهوية الوطنية هو السبب الكامن وراء طرح التساؤلات المصيرية ونتائج الاستفتاء الفرنسي والهولندي الرافضة لإقرار الدستور الأوروبي ، وأكد أن اللغة في قلب كل منا ، أن مسألة الهوية الوطنية في فرنسا قوية لوجود عناصر تسمح بتعريف هذه الهوية لا من الناحية العنصرية كون فرنسا تحفل بالكثيرين من المهاجرين من مختلف شعوب ودول العالم ، ولا في المستويين العرقي أو الديني كون الدستور يبيح ممارسة الدين والتعبير عنه لأبناء مختلف الأديان والطوائف من الفرنسيين ، واعتبر السفير الفرنسي أن حق اكتساب الجنسية الفرنسية والهوية الفرنسية ..حق مزيج من حق الدم فكل مولود من أهل فرنسيين هو فرنسي.. كما نصبح فرنسيين بالولادة على أرض فرنسا ضمن شروط معينة.. كاشفا عن منح الجنسية الفرنسية لأكثر من خمسين ألف فرد سنويا مشيرا إلي أننا اليوم نعلم ما هي فرنسا.. لكننا لا نعرف ما الذي يجعلنا فرنسيين ..وربما هو علاوة على حيازة المرء جوازا فرنسيا واحترامه لبعض القيم والمبادئ والقوانين.. هو التحدث باللغة الفرنسية لأن الفرنسيين يجمعهم ..انتماؤهم إلى ثقافة واحدة ، أنه لا يجب أن ينظر إلى التمسك باللغة الوطنية كرادع للانفتاح على الآخرين معتبرا أن الدفاع عن اللغة دفاع عن حق كل منا بالتحدث بلغته والتعبير بها.. وهذا المبدأ ينطبق على اللغات الأخرى عبر احترام التنوع اللغوي الذي تطالب به فرنسا في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية ، وأضاف أننا نرى أن هوية كل منا أمر أساس يجب احترامه عبر احترام حق المرء بالتعبير بلغته مع التأكيد على ضرورة احترام الآخر لاسيما في ظل التوتر في العلاقات الدولية والعلاقات بين الحضارات والثقافات في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.. ومن المهم أن نشجع الحوار بين الشعوب لأن احترام الآخر لا يكون إلا من خلال احترام ثقافته ولغته. ([26]) وأنه حتى في وجود اللغة العربية كلغة ثالثة بين اللغات المستخدمة في الدولة فهي أمام تحديات ومزاحمات تأتي من وجود اللغة الإنكليزية كموازية لها في الاستعمال معتبرا أن الأمر نفسه يحدث على المستوى المدرسي والتعليم في المدرسة والجامعة إلى جانب المشكلة الكبرى المتمثلة في استعمال اللهجات العامية حتى في الصف المدرسي. وأضاف " أن البعض يقول.. أن لا خوف على اللغة العربية المحفوظة بأمر إلهي في القرآن الكريم ..وكي لا أكون متشائما لأضع اللغة العربية في درجة متأخرة إنما في الدرجة الثالثة.. ذلك أن اللغة الإنكليزية تشكل حلقة الاتصال والتواصل والرابط المتبادل بين الأفراد في جميع البلدان تقريبا.. ونحن لا نخشى على اللغة.. إنما نخشى على الفكر .. فإذا كان لا يوجد في الفكر والثقافة ما يفرق به المرء الذي لا ينتمي إلى مجتمعه بين الصواب والخطأ فإن مشكلة اللغة حينها تؤثر في الهوية الوطنية وسلامة قيمها ومكوناتها.
آرنت" المفكر الألماني :
عندما نري "آرنت" المفكر الألماني المعروف كان يحدد الوطن الألماني بحدود اللغة الألمانية فيقول في إحدى قصائده: "الوطن الألماني كل البلاد التي يرتفع فيها إلى السماء الحمد لله باللغة الألمانية..." فبمقدار اكتساب اللغة القومية لألسنة جديدة بمقدار ما تكتسب الدولة أراضي جديدة، ونفوذا جديدا، وأموالا جديدة.
الوزاني: ([27])
يقول الوزاني إن اللغة هويةٌ وانتماءٌ روحي، وارتباط معنوي، وعامل جوهري قوي لغرس محبة الأمة والتعلق بماضيها وحاضرها وحضارتها. وتدني مستوى التعليم عموماً وتعليم اللغة العربية خصوصاً كان لأسباب عديدة منها:
- برامج التعليم العقيمة التي تتغير باستمرار تغيراً معاكساً لما يمكن أن يرفع من قدرها؛ إذ يقوم بهذا التغيير رجال بيروقراطيون بعيدون عن المهنة، وممن يتلقون إملاءات من منظمات أجنبية، وهيئات داخلية متحيزة عوض أن تأتي الإصلاحات من الذين يمارسون عملهم في ميدان التعليم، والذين يلمسون الخلل مباشرة.
- إحلال لغة المستعمِر محل اللغة الوطنية أو معها؛ لتزاحمها، وتُبعد الأنظار عنها عن طريق الإغراء بمساعدات وحسن العلاقات، أو عن طريق الترهيب بمنع الإعانات، وحتى بتهديد النظام.
ـ ازدواجية التعليم في سن مبكرة.
ـ انتشار اللهجات وتشجيعها، واستعمالها من قِبَل السلطـات الرسميـة؛ خـذ مثـلاً «ما تقيـش بلادي!» بمعنـى: (لا تُؤذِ بلادي!) ذلك الشعار المكتوب في الإعلانات العريضة الموجهة إلى الشعب في كل مكان. إن مرور جميع مكونات التربية والتعليم عبر قناة اللغة العربية يقوي المعارف، ويوسع الفكر من جهة، ويرسخ القيم الروحية والتمسك بالمبادئ الخلقية من جهة أخرى، إذا أخلص المربون، وكانوا قدوة صالحة للمتعلم، ومحايدين لا ينتمون إلى أي تيار معادٍ، أو بلد محتل، أو أي توجيه مستورد؛ وإلا كانت التربية وبالاً، وجاءت بعكس ما ينتظر منها.
د. الدكير: ([28])
أحسب أن التدني في التعبير بالعربية فرع عن تدني روح التدين لدى العرب والأعراب والمستعربين؛ فالقلة القليلة سَمَتْ، والكثرة الكاثرة تخلت عن المقولات ـ على تفاوت ـ بما كسبت الأيدي في أزمنة التردي؛ حتى صار التباهي بالتحلي بِلُغَيَّاتِ العجم ظناً ـ بغير علم ـ أنها عنوان المدنية ومفتاح الحضارة، وأنها السبيل لاستلام المناصب العالية في الدولة، وكذلك دولياً. ولا شك أن انصراف القوم إلى التوافه والمبالغة فيها بقوة صرفهم عن المطالعة والقراءة؛ فاستخفت الهمم؛ فرضيت بالذي هو أدنى، ورغبت عن حفظ النصوص الأدبية الرفيعة، أياً كانت: قرآنية أم حديثية، شعرية أم نثرية، خطباً أم أمثالاً؛ فإن قلباً لم يمتلئ بالنصوص القوية يهوي بلسان صاحبه إلى هاوية العَيِّ والعجمة والرطانة؛ لأن اللغة مَلَكة بالفطرة، ويصار إليها أيضاً بكثرة الممارسة والمزاولة. وقديماً نصح العلماء الأمراء بأخذ اللغة من أهلها، وحفظها من أفواههم بالرحلة إليهم، والإقامة معهم في بواديهم، أو استقدامهم وملازمتهم. إن العزوف عن المطالعة من أسبابه عدم قَدْرِهَا حقَّ قدرها، وتوهم أن الوسائل السمعية البصرية تغني كل الغَناء؛ وذلك غلط وخطأ يجب التراجع عنه؛ ببيان أن هذه الأجهزة العصرية تجعل وسائل التعقل عند الإنسان جهازاً واحداً، اختزلت فأضلت وأجحفت. فإن حق السمع والبصر التكامل والتداخل، لا الغلبة والطغيان. وكأني بهذه الأجهزة تلبي حاجة واحدة تشفي، لكن لا تجدي؛ لأنها تقصي سائر الملكات العقلية والقلبية؛ علماً أن من بني آدم من جعلت قوته في سمعه، ومنهم من رزقها في بصره، ومنهم من كانت وديعة في عقله وقلبه. ويغلب على الظن أن الوسطية علاج؛ فالتوازن أساس كل سير قويم، فلا ينبغي أن تطغـى حاســة علـى أخــرى، فــلا إفــراط ولا تفريط؛ إذ كانت الحواس تسعى وتتكامل لحفظ سلامة الجسم والعقل، وكل تعمل على شاكلتها. والاختصار اقتصار مخل، يجعل الإنسان قليل التبين والبيان قلما يميز بين الحقائق والألوان.
ولقد امتاز الإنسان بالبيان، وأعلى درجاته اللسان؛ ذلك أن العبارة فاقت الإشارة، وإن كانت الإشارة من الفروع البيانية، فإنما يُلتجَأ إليها عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، حسب ظرف الزمان والمكان وطبيعة الإنسان. إضافة إلى ما ذُكِر من مشكلة العزوف عن القراءة والمطالعة هل من سبيل أو وسائل مفيدة لعلاج الجيل من هذه الآفة؟ وكيف يمكن اكتساب هذه المهارة وإكسابها؟ تعتبر اللغة من أهم مقومات وأسس المجتمع؛ إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع بدون لغة، وهي أهم وسيلة يستخدمها الإنسان إلى حد الساعة للتعبير عن الثقافة، وبلورتها وتحليلها وتفسيرها؛ فبين اللغة والثقافة علاقة ترابط قوية، أولاً لكون الأولى تعبر عن الثانية وتسجلها، ولكون الثانية مادة الأولى وإنتاجها. وما من أحد يشك في العلاقة الجدلية القائمة بين اللغة والنشاط الإنساني داخل مجتمع معين. وبتعبير آخر: فإن الثقافة هي عالم الشخص، وحدودها هي حدود عالمه، وهي التي تشكل رؤيته وتفسر سلوكه. واللغة تبعاً لذلك ليست فقط وعاء لفكره، أو وسيلة لتواصله داخل وسطه الاجتماعي؛ بل علاوة على ذلك هي أداة تسجل ثقافة هذا الشخص وحضارته، وبها يتم الأداء الاجتماعي العام. إنها ذاكرة الحياة ومرآة تجارب الإنسان فيها. وأما إقامة التواصل فهو ما يقتضي تفاعلاً بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين المؤسسات الدستورية والقانونية. وإذا كان التواصل يجري عبر أشكال متعددة فإن اللغة الطبيعية هي أشيع الوسائط، وبها ندرك المجتمع والعالم. وبناء على ما تقدم فإن التواصل بين الناس من الثوابت في المجتمع الإسلامي العربي، وهو قائم على أشيع الوسائط المختارة لديه، وهي اللغة العربية؛ لكونها الأكثر تداولاً وتأثيراً، والأقوى فاعلية؛ خاصة عندما نربطها بثوابت الوحدة والدين والدستور والقانون؛ إذ يقوم التواصل بين الناس في هذه الثوابت كلها عبر وسيط اللغة العربية.
د. اليوبي: ([29])
ويعرفها ابن خلدون بقوله: (اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم).
الأستاذ أحمد أمين: ([30])
قال: وكثيراً ما شغل ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحى ولاسيما من ناحية الإعراب، تحول دون انتشارها في جمهور الشعب، وخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم التعليم؛ فنحن لو أردنا تعميم التعليم بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن طويل، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما لم نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها؛ فطلبة المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي، وأربع سنين في الجامعة، ثم لا يحسن أحدهم الكتابة والقراءة، وكثيراً ما يُلْحِنون في الإعراب، ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها، وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية، ننفيها من حرافيش الكلمات ـ على حد تعبير ابن خلدون ـ وتلتزم في آخر الكلمات الوقف من غير إعراب، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات، ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحى إلا لغة المثقفين ثقافة عالية، من طلبة الجامعة وأشباههم، وإلا الذين يريدون الأدب القديم ويستفيدون منه. وبهذا نكسب اللغة العامية والفصحى معاً. فاللغة الفصحى الآن لا تتعدى كثيراً من استعمال الكلمات اليومي، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت، وفي المعاملات من طبيعته أن يُكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر وفي الأوساط الخاصة، ويُكسب اللغة العامية رقياً يقربها من الفصحى، وهو يمكِّننا من نشر الثقافة والتعليم لجمهور الناس في سرعة، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى اليوم!.
ومن أمثلة الاعتزاز باللغة القومية في العصر الحديث:
في قمة المجموعة الأوروبية الأخيرة وقف رجل الأعمال الفرنسي ايرنست انطوان سيلييه يلقي كلمة باسم رجال الأعمال الأوروبيين، وفوجئ الرئيس الفرنسي شيراك أن مواطنه إيرنست بدأ بإلقاء الكلمة باللغة الإنجليزية، لغة شكسبير، فقاطعه قائلا: لماذا لا تلقي كلمتك بلغتك الأم؟ فرد إيرنست “سألقي الكلمة باللغة الإنجليزية، لأنها لغة البزنس”، وغضب شيراك وغادر القاعة مع وزير ماليته تيري بريتون ووزير خارجيته فيليب دوست بلازي. وعندما سأله الصحافيون عن سبب الغضب والانسحاب قال: “لقد صدمت لرؤية فرنسي يعبر عن نفسه بغير اللغة الفرنسية، وقد انسحبت لكي لا أستمع إلى كلمة شخص لا يحترم لغته”. ولم يغادر شيراك مقعده، ولم ينسحب من الجلسة عندما ألقى جين كلود تريشيه، حاكم البنك المركزي الأوروبي، كلمته، فقد كان يتحدث بالفرنسية، رغم أن الحوار في اجتماعات البنك يجري باللغة الإنجليزية. وشيراك درس في الولايات المتحدة، وهو يجيد اللغة الإنجليزية كأحد أبنائها، ولكنه توقف عن استخدام هذه اللغة منذ انتهاء دراسته وعودته إلى فرنسا، وعندما التقى الرئيس بوش في السنة الماضية أصر على التحدث بالفرنسية معه، وكان يرافق الزعيمين، حتى على مائدة العشاء، مترجمان، الأول أمريكي ينقل كلام بوش إلى الفرنسية، والثاني فرنسي ينقل كلام شيراك إلى الإنجليزية. وفي الأمم المتحدة حيث الحوار باللغة الإنجليزية، تظاهر شيراك بأنه لم يفهم بعض الأسئلة التي وجهت إليه باللغة الإنجليزية، فقام توني بلير الذي يجيد الفرنسية كأحد أبنائها بالترجمة له.
وفي ألمانيا: قد تجد في الشارع من يحدثك بلغة غير ألمانية، ويرشدك إلى عنوان تبحث عنه، أو إلى مطعم لتناول وجبة غذائية، ولكنه قطعا سائح مثلك، إذ إن الألمان يرفضون بإباء التحدث بلغة غير لغتهم. والتمسك باللغة الأم مظهر أساسي من مظاهر احترام القومية والمواطنة، والتخلي عنه تفريط في ذلك، والله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ولو كان العالم بأسره قبيلة تتكلم لغة واحدة لكان مثيراً للضجر، واحترام اللغة الأم ليس شوفينية ولا غروراً قومياً، وإنما هو في مصلحة الثقافة العالمية والحوار بين الحضارات، إذ لا يمكن بناء العالم على لغة واحدة، وبالتالي على ثقافة واحدة. والذين يرون أن التحدث بلغة أجنبية مظهر حضاري، ويتباهون عندما يحيونك بكلمة “هاي” ويعربون عن اتفاقهم معك في الرأي بكلمة “أوكي” نقول لهم: إن الدول لا تترسخ وترتقي إلا بارتقاء لغتها.
اللغة العربية تتعرض للاحتلال:
ففي رسالة الماجستير التي تقدم بها مؤخراً الباحث حسين عبد العظيم محمود إلى (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية عن (الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم)، وحصل بموجبها على درجة الماجستير أكد الباحث أن إهمالنا للغة العربية أدى لكثير من المشاكل على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية. وإن اللغة العربية بمثابة القلب لا الروح من الأمة ، وتدهور الأوضاع الحالية للغة العربية ، بسبب ما تتعرض له من الاعتداء في عقر دارها من أعدائها والجاهلين من أبنائها، فمن يسر في الشارع العربي ، ويقرأ أسماء المنشآت التجارية والصناعية ، أو يدخل إحدى وزارات التعليم أو الإعلام أو الثقافة أو البترول أو السياحة أو المالية في كثير من الأقطار العربية يدرك تماماً أن اللغة العربية تعاني معاناة أهلها وأنها تتعرض لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال استيطاني ، والذي يدخل إحدى مدارس اللغات أو إحدى الكليات العملية في أغلب الأقطار العربية يدرك أن هذه الأقطار العربية قد صارت مجموعة من الأشكال اللغوية الأجنبية الناطقة بالعربية ، والتي لا تقل خطورتها عن العدو الصهيوني في فلسطين. وأوصت بإيصال مشكلة اللغة العربية إلى أعلى المستويات السياسية. لابد أن يشعل هذا الواقع المرير الغيرة الوطنية في نفوس المثقفين الوطنيين والقوميين العرب فليتجمعوا في جمعيات لغوية أهلية لتأخذ على عاتقها الدفاع عن مستقبل الأمة العربية عن طريق ترميم لغة الخطاب اليومي ودعم لغتنا الوطنية ؛ لأنه واجب ديني وطني قومي.([31])
اللغة القومية واللعبة السياسية
اللغة عنصر من عناصر ثقافة أي مجتمع ، وعن طريق استخداماتها يتكون القاسم المشترك بين أفراده في آلية التفكير ، ومستويات الفهم ، ودرجات التلقي ، وازدياد التواصل والتدوين ، وعن طريق اللغة ورموزها ودلالاتها ينشأ الكلام ويحدث التخاطب وتبادل الآراء وطرح الأفكار . ([32]) فقد فشل الاستعمار فشلاً ذريعاً وواضحاً في فرض سيطرته وهيمنته العسكرية من قبل باستعماره العديد من البلدان الضعيفة ، وعندما هبت الشعوب وانتفضت وضربت على يد المستعمر بفضل أبنائها الأوفياء المخلصين ، عندئذٍ أيقن المستعمر أنه لم يبق له طعما ، ولا رائحة وهنا أذعن لإرادة الشعوب وتركها لأهلها ، ولكنه عندما فكر في الرحيل فكر وقدر فخسر كيف قدر ، فاستمال من استمال من ذوي النفوس الضعيفة الذين استأجرهم لتخريب البلاد بالفكر وهنا لم تطل حياتهم حتى اكتشفهم المخلصون وخلصوا البلاد من براثنهم وقذارتهم . أما الآن فالعالم يعج بكل جديد في العلم والسياسة والاقتصاد ، ولم يعد المجال مجال سيطرة عسكرية بالإضافة لتغير موازين القوى في العالم ، وكان لابد من السيطرة الاقتصادية وللوصول لذلك الهدف المرجو ، وكان ولابد من السيطرة الفكرية والتبعية الفكرية والتبعية الاقتصادية وبالتالي ليتحقق هذا الهدف لابد من التبعية اللغوية أيضاً ، لنتحدث بلسان المستعمر ونأكل من طعامه ونرتدي ملابسه . ولذا لجأ المستعمر إلى اللغة لأنها تحمل كل ما يريد وأدرك المستعمر أن " أن اللغة القومية أو الوطنية تعزز الثقافة والهوية القومية ، وأي إهمال لها يعد تخريباً جذرياً للغة . وهو موضوع يهتم بالانتماء " ([33]) كي يستطيع الهيمنة الاقتصادية والثقافية ،وأيضاً لتحقيق هدف الاستعمار وهو القضاء على الدين الإسلامي .
وعندما نبحث عن موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني من قضايا أمته وشعبه وموطنه ، ومن قضايا الإنسان في العالم ؟ هل سيتفرج على ما يحدث من إهانة للإنسان العربي واستهانة بحقوقه وقيمه وحرياته وحياته ؟ أم سيقف في صفوف المدافعين عن القيم والأخلاق والحريات والحقوق وعن الإنسانية ؟ وموقفه من معنى المساواة أمام القانون ومن تطبيق تلك المساواة ، على الرغم من الاختلاف في الرأي والرؤية ؟ فحرية التعبير بكل مقاييس الدولة العصرية لا تمنح الفرد بصورة مطلقة ، وهذا عودة إلى التأكيد على أنه لا يوجد شيء مطلق في المجتمع الإنساني ، الذي يعيش في جماعة لابد أن يكون مقيداً ، لأن ضريبة الاجتماع التنازل عن جزء من الحق المطلق .فضلاً عن حق التعليم ، حق ممارسة السلطة ، ففي مرحلة التسييس (التقييد)كفلت القوانين والدساتير كلها حق الإنسان في ممارسة السلطة ، والتعبير السياسي في إطار دوامة الديمقراطية عبر أساليب متعددة الانتخاب أو التصويت ،أو التصعيد بما يتلاءم مع توجهات النظام السياسي السائد . ([34])
بينما ترى وجه نظر أخرى بأن هناك نزوعاً أمريكياً جارفاً لبسط استعمار ثقافي وتكنولوجياً "
المبادرة الأمريكية لتعليم اللغة وتعليم اللغات الحرجة:
مبادرة الأمن القومي اللغويةِ (إن إس إل آي) لزيَاْدَة عددِ الأمريكيين المتعلمين للغات عن طريق مكتب الشؤونِ التربويةِ والثقافيةِ الماليةِ حتى سنة 2008 ، ورصدت لهذا البرنامج ميزانية مالية قدرها 26.6$ مليون لدَعْم برامجِ لغةِ الأمن القومي الأوليةِ. ففي يناير/كانون الثاني 5, 2006، أعلنَ الرّئيس بوش هذه المبادرة لتَقْوِية الأمن القومي لتكون أكثر بعداً وازدهاراً في القرنِ الحادي والعشرونِ خلال برنامج تَعَلّم اللغةِ الاستراتيجيِ. بالإضافة إلى برنامج التعليم التربويِ العام ، والحاجة لإجادةِ اللغاتِ الحرجةِ ، هذا البرنامج سيَزِيدُ عددَ الأمريكيين المتعلمين للغات الحرجةِ الأجنبيةِ كالصينيةِ والعربيةِ، والروسية، والهندية ، والفارسية ، مِنْ روضةِ الأطفال إلى الجامعةِ وبالتنسيق مع شؤون القوة العاملةِ. وتأتي هذه المبادرة بالتنسّيق بين البيت الأبيضِ، ووزارة الخارجية ، وزارة التربية، وزارة الدفاع ومكتب مديرِ الاستخبارات الوطنيةِ. ([35])
الفصل الرابع
تنـــمية اللغـــــة القـومـــــية
- اللغة ناقلة وخالقة.
- اللغة القومية ووسائل الأعلام.
- العربية وأزمة الفكر.
-الازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها.
شغلنا عن التنمية اللغوية كثيراً بالتنمية الاقتصادية وغيرها، لدى المتكلمين والمستخدمين للغة، وأيضاً في إثراء معجمهم اللغوي الذي يتسع يوماً بعد يوم للجديد من أمور الحياة العامة وشؤونها المختلفة ، ويزيدون من مساحة الوعي والقدرة على المشاركة والانتماء ، التقريب بين اللهجات والمستويات اللغوية المختلفة، الأمر الذي يتطلب دراسة ميدانية تعكف على البحث في الواقع الميداني وتحليل ما يحدث فيه من تغير وتطور وإضافة.
اللغة ناقلة وخالقة :
أن اللغة في وسائل الاتصال ناقلة وخالقة. فهي ناقلة لصورة المجتمع اللغوي بكل ما يضطرب فيه من إيجابيات وسلبيات وبالتالي فليست صورة مغايرة لما يحدث بالفعل في المجتمع كله: مؤسساته التعليمية والثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها، من اختلاط وغيرها، وضعف، وتدنٍِ، واتساع، وتطور وإضافة.
وهي خالقة للجديد من المادة اللغوية التي تُلبيّ احتياجات وضرورات يومية وعاجلة، من خلال توسعها في القياس والاشتقاق والنحت والتعريب. وبين الأمرين معاً، النقل والخلق، تقوم حدود هذه المسئولية، وتتعاظم أبعاد الدور والرسالة أمام الباحثين عن السلبيات والإيجابيات، والمنادين باكتمال صورة الهوية اللغوية والقومية، وسلامة اللسان العربي وصحته واستقامته، وقدرته على الإبداع والانطلاق بلا حدود.
فالعولمة ليست "ديانةً جديدةً. كما يُبَشِّر حاملوها. ([36]) وإن ما تنطوي عليه في جوهرها من إلغاء الآخر، وما تَسْعى إليه من ردم حضارة وثقافة الآخر وإلغائه بل وإلقائه في مَصْهَر المادية الغربية – الأمريكية بالذات- يفتقر إلى مقومات الأصالة وإلى مقومات التَمَيُّز. صحيحٌ أن التكنولوجيا الحديثة قد جَعَلَتْ من العالم قريةً صغيرةً ولكن فقط في نظر مَنْ يمتلكها ويسيطر عليها في الوقت الذي يَتَصَغُّر فيه جميع الآخرين وكأنهم كائنات ميكروسكوبية؛ فانقلبت المعادلة بطريقةٍ تمّ فيها إخراج القطاع الأكبر من البشرية خارج دائرة الفعل والتأثير، هناك إنسان "سوبر" و"متعولم" وهناك "مهمش وميكروسكوبي" حسبما تفرضه طواحين العولمة التي لا تعرف الإنسانية ولا القِيم الأخلاقية. تتميز هذه المقاصد بصفتين: تأخذ أولا شكل البداهة ، معتقدة أن الثقافة القومية العربية قائمة وواضحة الوجود ، ومؤمنة ثانياً بمستقبل هذه الثقافة ، طالما أن مستقبلها الواضح امتداد لحاضر لا اضطراب فيه ولا نقصان.([37])
أعلنت اللغة القومية عن المساواة في حقل اللغة بين أفراد يتساوون في الحقوق والواجبات. لتوطيد الانتماء القومي والبحث والتوجه إلى مستقبل مشترك متخذاً من "الأيدولوجيا القومية", لا الماضي المجرد, مرجعاً له. عرف العرب في تاريخهم الحديث الدولة - القومية؟ وهل خلقت الدولة - القومية العربية ، التي لم تخلق: ثقافة قومية بالمعنى الحديث للكلمة؟
اللغة القومية ووسائل الأعلام:
إن الواقع اللغوي الذي نعيش فيه الآن يمر بمنعطف تاريخي خطير بالنسبة للغة العربية الأصيلة – رغم جهد الجاهدين المجاهدين من أبناء العربية الغيورين عليها – خاصة اللغة الإعلامية المتبعة في مؤسساتنا الإعلامية المحلية والدولية ، الأرضية والفضائية ([38]).
الأمر المتفق عليه أن اللغة في وسائل الأعلام تكتسب أهميتها من أهمية هذه الوسائل الإعلامية التي تكشف عن تنامي الثورة الاتصالية وتعاظم آلتها الجبارة نفوذاً وسطوة وتأثيراً وسعة انتشار, الأمر الذي يجعل هذه اللغة – من خلال الإذاعة المسموعة والمرئيات والفضائيات يتزايد تأثيراً ويتصاعد ويتسع مداه، مع النجاح الهائل لهذه الوسائل في اجتذاب ملايين المستمعين والمشاهدين من كل الأعمار والمستويات. وعندما نبحث عن موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني من قضايا أمته وشعبه وموطنه ، ومن قضايا الإنسان في العالم ؟ هل سيتفرج على ما يحدث من إهانة للإنسان العربي واستهانة بحقوقه وقيمه وحرياته وحياته ؟ أم سيقف في صفوف المدافعين عن القيم والأخلاق والحريات والحقوق وعن الإنسانية ؟ وموقفه من معنى المساواة أمام القانون ومن تطبيق تلك المساواة ، على الرغم من الاختلاف في الرأي والرؤية ؟
ويظهر ذلك بوضوح في تعاريف علماء اللغة كما يعرفها سابير اللغة E.D.Sapir بقوله :" اللغة وسيلة غير غريزية ، وإنسانية تماماً لإيصال الأفكار والعواطف والرغبات ، عن طريق نظام من الرموز المؤداة اختيارياً([39]) " .
من الضروري في هذا المجال أن نشير إلى انفجار شبيه بالانفجار السكاني أو الانفجارات الكونية كالبراكين والزلازل، حدث في إذاعتنا المسموعة والمرئية وفضائياتنا العربية جميعها، وهو ما يسمى بالبث المباشر الذي يستغرق ساعات عدة من حجم الإرسال ، ويهبط فيه مستوى الأداء اللغوي إلى أدنى درجة له من حيث الصحةُ والصواب، ليصبح أكثر اقتراباً من السوقية والابتذال. فيما تدور حوارات طويلة مملة بين المستمعين والمشاهدين من ناحية، ومقدمي البرامج من ناحية أخرى، لا مضمون لأغلبها ولا قيمة لها في مُجملها، فضلاً عن امتلائها بكل ما يؤذي السمع من أخطاء في التعبير والنطق، واستخدام الكلمة المناسبة والأداء السليم. :"فاللغة لا تعجز عن التعبير عن أي معنى من المعاني ، متى قام في نفوس المتكلمين بها ، فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان ، استطاع التعبير عنها بلغته ، إن كان متمكناً من هذه اللغة ، وعاملاً على رفعة شأنها ([40]).
اللغة و الثقافة والإعلام :
تمثل اللغة دائماً مرآة للثقافة ، وللإعلام ووسائله تأثير كبير في تكوين ثقافة الإنسان ([41]) . فلا حكر ولا وصاية على الفكر مادام صاحبه لم يخرج عن حدود اللياقة الأخلاقية والفنية فمن حق المفكر أن يعرض فكره ويجب أن نساعده على ذلك ، ونفسح له المجال ، ويجب عليه أن يكون صدره رحباً لتقبل النقد الذي يوجه إليه من قبل المختصين ، ويجب أن يكون النقد موضوعياً بناءً من أجل الوصول إلى الحقيقة التي ترتكز على الإقناع ، وعندئذ نكون على الطريق الصحيح .
العربية وأزمة الفكر :
تتعرض اللغة العربية لكثير من الأزمات الفكرية حولها ، ويقود هذه الأزمات مجموعة من الحقدة الذين تطفلوا على لغة القرآن الكريم ، واستعملوا بعض أبناءها السذج الذين انخرطوا وسقطوا في الهاوية المدبرة ، فأصبحوا أداة لغيرهم ، فرموا لغتنا العربية ، و اتهموها بالصعوبة والتعقيد ، والعجز عن مسايرة ركب الحضارة الحديثة ، وتكنولوجيا العصر ومعارفه ، واتخذوا من هذه الاتهامات ذريعة إلى الدعوة لإحلال العامية محل الفصحى بدعوى جمود هذه اللغة وقدمها ، ولم يكتف هؤلاء بذلك ؛ بل نادوا بإحلال الخط اللاتيني محل الخط العربي .
الحقيقة " أن اللغة قد تتدخل في تحديد وتركيب أنماط الفكر في المجتمع([42]) " و أن كل ما وصفوه وادعوه افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان ؛ لأن صعوبة العربية في نحوها وإعرابها قاسم مشترك بين معظم اللغات الحية التي يحاول أبناؤها الوصول بها لأفضل صورة في الاستعمال ، كما وضح ذلك الأستاذ الدكتور : رمضان عبد التواب –رحمه الله-قائلاً : " أن الإعراب المعقد الصعب لا تنفرد به العربية الفصحى وحدها ؛ بل هناك لغات كثيرة ، لا تزال تحيا بيننا ، وفيها من ظواهر الإعراب المعقد ما يفوق إعراب العربية بكثير ، ومن هذه اللغات الألمانية مثلاً([43]) "
فنحن نعتز بلغتنا رغم ما يعترينا من هفوات الإهمال التي تعد من تداعيات الزمن وظروفه ، فلغتنا قادرة غير عاجزة على خلق المعاني الجديدة .
ومما يدعوا إلى العجب أن هؤلاء يقرءون النصوص من الكتب المترجمة ولا يفهمونها ؛ بل يؤولونها وفق أمزجتهم ، نحو قول ماريوباي في كتابه لغات البشر : " إن اللغة الحقيقية التي يستخدمها الناس فعلاً لا اللغة التي يعتقد أن على الناس أن يستخدموها([44]) " فما قصده ماريوباي لم يفهم ، يقصد اللغة المستخدمة ، ولغتنا مستخدمة ، وبقوة حيث إننا نتعلم في مدارسنا ، ونكتب ، ونقرأ في كتبنا التراثية والحالية بالمستوى الفصيح ، رغم ما به من هفوات مقصودة بشكل مباشر أو غير مباشر ، ونصلي ونركع ونسجد ونبتهل إلى ربنا بها .
- وأرى أن قضية العربية - وباختصار شديد- قضية الإسلام فالهجوم هجوم عقيدة وليس هجوم لغة ، ولو لم تكن العربية لغة الإسلام لكان الحال غير الحال . فالقضية ليست قضيتها بل قضيتنا ومن لم يفهم الأمر هكذا فقد ضل به الفكر ضلالا بعيداً .
أولاً : الازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها :
الازدواجية اللغوية قدر اللغات البشرية ، وظهرت هذه الازدواجية بظهور الشكل المتكامل للغة الإنسانية ، وبالأحرى عندما اخترعت الكتابة . وتستوي في هذا الأمر كل اللغات البشرية حيث كانت اللغة واحدة ثم تفرق أبناؤها واختلفت بيئاتهم التي عاشوا فيها فاختلفت لغاتهم لاختلاف الأدوات التي يستخدمونها ، فظهرت اللهجات التي زاد انعزالها حتى أخذت شكلا كتابياً مستقلاً وبمرور الزمن أصبحت اللهجات لغات مستقلة .
الازدواجية و الثنائية اللغوية :
فالازدواجية اللغوية كما ذكر سابقاً استعمال مستويين لغويين بينهما اختلاط المستوى الفصيح والمستوى العامي ووجه المقاربة بينهما يخلص في الجانب المعجمي على مستوى المفردات ناهيك عن استخدام الفصحاء المبالغين فى الفصاحة الكلمات المتقعرة أما وجه الخلاف بينهما يكاد ينحصر فى طريقة الأداء فالفصحى تحتاج لأسلوب خاص في النطق باستخدام النبر والتنغيم ، وكل الأمور المتعلقة بالجانب الصوتي بجانبيه الفوناتيكي والفونولوجي ، أما الثنائية اللغوية يقصد بها من يمتلك أكثر من لغة ، أو ما يطلق عليه أصحاب اللغة الثانية second language ، أي لغة غير اللغة الأم mother toung والحقيقة المرة التي لابد أن نعترف بها أنك لا تسمع الفصحى نقية كما ينبغي ، ولا من أربابها ، أو معلميها وهذا مؤشر خطير فلا تسمع لها حساً إلا في الخطب الدينية كخطب الجمعة والعيدين، ويكثر ظهور الفصحى في الدرس العلمي والمحاضرات ، فالمرفوض في اللغة استعمالا وذوقا التركيز على الغريب من الألفاظ لأنه لا يتساوى حظ الجميع فيه فلم نر ولم نطالع في كتب الأدب من يشتكي أسلوباً ؛ بل كانت الشكوى تنحصر فى علاقة اللفظ بالمعنى . . ونقل عن عبد الله بن مسلم انه دخل أبو علقمة النحوي على "أعين" الطبيب فقال له: أمتع الله بك، أني أكلت من لحوم هذه الجوازل فطسأت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل هناك دواء؟ فقال أعين: خذ حرقفا وسلقفا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة : لم افهم عنك فقال أعين : أفهمتك كما أفهمتني .
ومن الناس من يدعي أن الازدواجية اللغوية تعطل القدرة على الإبداع ، وهذا عكس ما كان يظن في الغالب ، والحقيقة - ومن وجهة نظري- أنه لا تقف لغة أمام إبداع علمي أو أدبي لأنه لا توجد لغة قاصرة مادامت حية يُتحدث بها ويُكتب بها ، ويُسجل بها تاريخ الأمة .
- إن الازدواجية اللغوية في بيئاتنا الآن إنما هي صورة صادقة لما يمر به العقل العربي الآن من مرحلة التخبط وعدم تركيز الذهن ، أو ما يطلق عليه التشتت الذهني مما يجعله مستعداً لقبول أي وافد فكرى عليه يفكر له ويرسم له .
وإن كان الأمر هكذا فإننا في عصر المعرفة و المعلوماتية التي لا تقف عند حد من الحدود الإقليمية الهامشية وأدوات هذه المعرفة هي المؤسسات الإعلامية من صحف ومجلات وإذاعة مرئية وأخرى مسموعة . وحفاظاً على الهوية العربية الإسلامية ، وكواجب قومي ديني فلابد ، وحتما من تسخير مؤسساتنا الإعلامية لخدمة هذا الواجب .
البرامج التليفزيونية :
لقد كان من آثار التضخيم الإعلامي لأهمية اللغة الأجنبية ، وسد باب العمل أمام المواطن العربي دون إجادة هذه اللغة ارتفعت الأصوات منادية بتعلمها حتى ذكرتنا بأيام الاستعمار على مصر وما حدث للبلاد المغربية وما جاورها. وفي التجربة اللبنانية في فتحها لتعليم الإنجليزية والفرنسية اكبر درس حيث ضاعت اللغة العربية بين تلك اللغات وأصبح اللبنانيون الأحداث لا يعرفون أبجديات اللغة العربية ، أن الدعوة إلى تعلم العربية وإجادتها والحفاظ عليها لا يعني الانزواء عن العالم فإذا قدم إعلان بالعربية تبعه على التو بإعلان بالفرنسية و الإنجليزية. لازدواجية اللغوية نابعة من الازدواجية الجغرافية كما هو الحال في كندا أو بلجيكا، حيث تتعايش داخل المجال الوطني منطقتان لغويتان أو أكثر تفرق بينها حدود فاصلة إلى حد ما. وكذلك كما في المغرب فالتمييز بين الأقاليم التي كانت قد خضعت للسيطرة الأسبانية (منطقة الريف في الشمال وطرفيه والساقية الحمراء ووادي الذهب في الجنوب) والتي كانت تمارس الازدواجية العربية/الأسبانية، وبين الأقاليم التي كانت تحت الحماية الفرنسية، قد تلاشى بسبب حركية الازدواجية العربية/الفرنسية التي نشطت في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية. فإن الازدواجية اللغوية تهم الجميع ولم تكن يوماً خاصة بالنخب. وهي للأسف تستقر وتنتشر داخل المجتمع في دور التعليم والإعلام، وكأنها أصبحت واقعاً تفرضه جميع الظروف الحضرية والسياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية. وما زالت الفرنسية منتشرة في التعليم العالي بكل تخصصاته. إن حجم الفرنسية في التعليم يعكس في الحقيقة حالة الوضع الاقتصادي والسياسي بالبلد، وهو وضع تطبعه العلاقات المتميزة التي احتفظ بها المغرب مع فرنسا في الميادين الاقتصادية والمالية والثقافية والبشرية، إضافة إلى العلاقات التي أقامها مع البلدان الفرانكفونية الأخرى في الشمال. وأخطر من هذا أنه يترتب على إجادة اللغة الثانية كالأولي أثر في توزيع ميدان العمل وأن المرشحين المزدوجي اللغة والمتمكنين من اللغات الأخرى لهم حظوظ أوفر في الحصول على عمل في القطاع الخاص كما في القطاع العام .
- والكُتب المدرسية التي تضمُ المناهج العقيمة في تعليم العربية تنجح في التنفير والكراهية بدلاً من التحبب والترغيب. ومجتمعٍ أصبح يسخر ممن يستخدمون العربية الصحيحة ويتعاملون بها. وتنعكس سخريته هذه فيما ينتجه من أعمال فنية سينمائية ومسرحية. ونحن نذكر جميعا ًالفيلم المشهور غزل البنات الذي كان فيه الممثل العبقري نجيب الريحاني صورة لمعلم اللغة العربية الذي هو موضوع سخرية تلميذاته وتندرهن به وبما يُعلمّه لهن وهن يرددن: أبجد هَوز حطي كلمن، شكل الأستاذ بقى منسجمن. وعندما تسخر أمة من معلم لغتها القومية ودينها الحنيف، غَيْر عابئة أو واعية بما يحدثه هذا من تدمير للوجدان وخلخلة في منظومة القيم وزلزلةٍ لثوابتها المؤكدة لهويتها وانتمائها وشخصيتها، وتتمادى في ممارسة هذا العبث عبر كثير من التمثيليات والمسلسلات في الإذاعة المسموعة والمرئية، عندما يحدث هذا، فإن هذه الأمة تسير معصوبة العينين إلى مصير فاجع في خاتمة المطاف.
والمفروض أن تكون هذه اللغة – على ألسنة العاملين في هذه الأجهزة – معياراً للصواب اللغوي والصحة اللغوية. ونموذجاً يقتدي به المواطنون ويعملون على تقليده ومحاكاته خاصةً إذا كان هؤلاء العاملون من قراء النشرات ومذيعي الربط ومقدمي البرامج. أن كثرة الشبكات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية في مصر، جعل المتابعة لما يحدث فيها من أخطاء أمراً شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.
فإن تعاظم ما يمتلئ به العالم من حولنا من أحداث وكوارث ونكبات، أدى إلى وفرة هائلة فيمن يُسمَّون بالمندوبين والمراسلين والمعلقين المنتشرين في شتى عواصم العالم ولدينا أيضاً. هؤلاء لم تتح لهم الخبرة اللغوية الكافية التي تتاح عادة لمن يعمل مذيعاً أو قارئاً للنشرة أو مقدماً للبرامج، لأنهم مصنفون أساساً باعتبارهم مندوبين ومراسلين ومعلقين، فتكون النتيجةُ ازدحام البث الإذاعي والتلفزيوني بسيل من الأخطاء الفادحة وركاكات التعبير وسطحية الأداء اللغوي، فضلاً عن الأصوات غير الملائمة، يصبح هذا كله محسوباً على الدور السلبي لهذه الأجهزة الإعلامية فيما يتصل بخطابها اللغوي، وهو الوضع الذي حدا بكثير من علمائنا اللغويين وخُبرائنا الإعلاميين ونقادنا وكتابنا إلى المطالبة في دراساتهم ومحاضراتهم وأبحاثهم وتدريباتهم – بالعمل على رفع مستوى قراء النشرات والتعليقات ومقدمي البرامج والمراسلين والمندوبين والمعلقين ثقافياً ولغوياً.
ويطالب العالم اللغوي الراحل الدكتور أحمد مختار عمر بضرورة التدريب اللغوي على أسس جديدة لا تركّز فقط على قواعد النحو. ففي رأيه أن أخطاء الضبط النحوي هي أقل ما يقع من كلام المذيعين أما أكثره فيعود إلى أخطاء الاشتقاق الصرفي، وأخطاء الضبط لبنية الكلمة، كما يطالب بإلزام المتحدثين الضيوف المشاركين في حوار معين أو برنامج خاص أو الذين يجيبون عن أسئلة المستمعين والمشاهدين باستخدام العربية الصحيحة في أحاديثهم وإجاباتهم. فمن العار – كما يقول – أن يتكلم كثير من أصحاب الأسماء الكبيرة المعروفة في السياسة أو الاقتصاد أو الأدب، بالعامية المصرية أو بلغة عربية مُشوهة.
افتقار كثير من الإذاعيين – من الإذاعة المسموعة والمرئية- والمتحدثين أيضاً، إلى الثقافة الصوتية وإلى التدريب الكافي على استخدام الإمكانيات الصوتية المتنوعة التي تندرج تحت ما يُسمى بالوسائل الصوتية غير اللفظية أو الملامح النطقية المصاحبة للعملية الكلامية ، والمشاركة لها من أداء الرسالة اللغوية ، والمستخدمة لتنوع نماذج الأصوات مثل النبر والتنغيم ودرجة الصوت ومعدل سرعته أو استمراريته ونوعيته ومدى ارتفاعه وطول الوقف أو السكوت. مما يضيف إلى سلبيات الأداء من كثرة السّكتَات والوقفات الخاطئة، والخطأ في تنغيم الجملة في أثناء قراءتها، ونطق الأصوات نطقاً مُعيناً من مثل التقابلات الصوتية، الدال والتاء والذال والثاء والزاي والسين والعين والحاء والغين والخاء، والخلط بين أل الشمسية وأل القمرية، وال القمرية، وبين همزتي الوصل والقطع.
الفصل الخامس
اللغة القومية و التربية والتعليم
- تعليم اللغات القومية .
- الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية.
- لغة التدريس، وتدريس اللغة .
- قضية التعريب وإصلاح التعليم .
- خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر.
- ظاهرة التدني اللغوي في التعليم .
- اللغة العربية والانترنت.
يعد ما قدمه علم اللغة في تعليم اللغات القومية قليلاً بسبب تأخر الأطفال في تلقي اللغة ؛ لأن المعجم اللغوي لا يكتمل لديه إلاَّ متأخراً ، بل يبدأ في تركيب الجمل البسيطة ، ثم الجملة الأكثر تعقيدا ، ومن هنا عندما يذهب الطفل إلى دور الدراسة يبدأ دور علم اللغة يظهر على استحياءٍ ، بل يبدأ من :
- تقديم الوصف العلمي السليم لأصوات اللغة ، ومن هنا تبدأ الاستفادة من الظواهر الصوتية كالنبر والتنغيم والوقف والإمالة...الخ.
- تعليم متلقي اللغة كيفية اختيار الكلمات السهلة ، والتراكب اللغوية ، ثم التدرج إلى الأصعب فالأصعب ، ويبدأ بالمفردات المحسوسة قبل المجردة ، والتراكيب البسيط قبل المعقدة .
- التركيز علي الشائع اللغوي، وترك المفردات الشاذة والغريبة المهجورة.([45])
- فتح المجال اللغوي أمام الطفل لتعلم اللغة ، وتنمية قاموسه الخاص بكل ما يستطيع من قوة ، حتى يصبح – كما قال تشومسكي – وحشا لغويا "فالطفل الذي يستطيع أن ينطق بأي عدد من الجمل أو بجمع الجمل الصحيحة نحويا قد يصبح وحشاً اجتماعياً "([46])
كل ما سبق الإشارة إلية بالإضافة إلى اعتبار أن الطفل يتحكم في مقدرة خاصة تجمع بن ما يتعلمه وما لقنه له المجتمع الذي يعيش بداخله " وهذه القدرة هي جزء لا يتجزأ من المواقف الحياتية والقيم ، والدافعية لاستخدام اللغة ، وملامحها ، وجوانبها المختلفة ، وكذلك القدرة على إدراك واستخدام علاقة اللغة مع غيرها من رموز السلوك التواصلي ، هذه المواقف تجاه اللغة واستخدامها لها أهمية خاصة نظراً إلى أنها تمثل جزءاً لا يتجزأ من مواقف الطفل تجاه اللغة ذاتها كجزء من الأنماط العقلية التي يكتسبها "([47])
فاللغة إذن بحد ذاتها ليست إحدى المقومات الوطنية والانتماء إلى قومية معينة بقدر كونها أداة للتخاطب والتواصل بين البشر وتُؤمِن مبدئياُ للمواطن مجازيا هوية ثقافية بالمصطلح الحديث المعاصر. ولا شـك أن التـربيـة والتعـليم عملية معقدة جـداً، ولا شك أيضاً أنها بجميع مكوناتها، ووسائلها ـ المادية والمعنوية ـ تمر في نهاية المطاف عبر القناة اللغوية .
فاللغة القومية أو "اللغة الأم" " لحقيقة تخفى على من عميت بصائرهم فلم يعبئوا بلغتهم القومية، ذلك أن الأم حين تحتضن صغيرها وتضمه إلى صدرها تغذيه بلبنها وتداعبه وتخاطبه في الوقت نفسه بكلماتها فهي مع ما تمنحه له من غذاء تمنحه غذاءً عقليًّا روحيًّا.. فتأخذ بيده وتعاونه على تكوين حياته الفعلية والروحية. ([48])
ويروي التاريخ لنا أن الأمم الحية تنظر إلى لغتها القومية نظرة إجلال واحترام تزداد هذه النظرة بوجه خاص عند الشدائد، فحينما احتل الأعداء بولندا لم يستطع البولنديون مقاومتهم عسكريًّا، وإنما كانت المقاومة تتمثل في أمر وحيد قد يبدو للبعض بسيطًا وهو: إحياء لغتهم القومية التي حاربها المستعمر، فصمدوا بأغانيهم الشعبية ونثروا آدابهم ولغتهم ونشروها أينما ذهبوا حتى أن البولندي كان يتكلم بلغته لا لشيء إلا رغبة في إشباع عاطفته القومية . وبينما تعامل الأوروبيون هكذا مع لغاتهم، حاربوا لغاتنا وقاتلوها.. فنابليون كان يُوَدِّع بعثاته الاستعمارية قائلاً: عَلِّموا اللغة الفرنسية أينما ذهبتم فتعليمها هو خدمة الوطن الحقيقية".
ولم يُخْفِ المقيم العام بالمغرب رمز الاستعمار الشهير: الجنرال ليوطي هذا التوجه، حين أصدر دوريته الشهيرة بتاريخ 16/6/1921م حول لغة التعليم بالمغرب؛ إذ يقول: «من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية ... فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام» ([49])
ويقول فيها: «إن التعريب سيقود البربر إلى إســلام تــام ونهائي ، وإلى أن تـوجــد بالمغـرب ـ وعلى أيدينا نحن، وهو ما نرفضه ـ كتلة إسلامية منسجمة لا نظير لها ... والمشروع يفرض أن يتم تطوير سكان الجبال باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية وسوف يحكمون بالفرنسية ... علينا أن نُقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا .. ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالح الشعب المغربي في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضاً تحويل مصيره إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا»([50]) . إذا كان التعليم والتربية يضطلعان بدور خطير وحاسم في ترسيخ القيم والخصوصيات الحضارية للشعوب، فإن الاستعمار في العالم العربي والإسلامي سعى بكل الوسائل إلى تغيير بنية التعليم والتربية كجزء من مخطط واسع للفصل بين الإنسان ومقوماته الحضارية بهذه الدول.([51])
أن اللغة الوطنية هي الوسيلة الوحيدة لتوطين العلم والتقنية، وغرس الانتماء في نفوس أبناء الأمة، وإهمالها هو سبب تأخر الأمة العربية ، وتبعيتها.
الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية:
قد يشعر البعض الذين تخلوا أو كادوا يتخلون عن هويتهم وينسلخون عن جلدهم بالعزة لأنهم يتحدثون بلغة أجنبية وبلسانهم أولائك يشعرون بالانهزامية ، فيجدون عزتهم فيما يملك غيرهم، فمثلا في بلاد المغرب العربي وبعد أن أصبحت اللغة الفرنسية هي لغة التعامل في جل الإدارات العمومية، والقطاع الخاص، اتسع نطاقها على مستوى الإعلام العمومي، فقد أضحت لغة «التميز» بالنسبة للطبقات الأكثر حظا في المجتمع .والأخطر أن أصبحت اللغة الفرنسية اليوم تفرض نفسها حتى على الأحزاب السياسية التي يخولها الدستور مهمة تأطير وتمثيل المواطنين .
لغة التدريس، وتدريس اللغة:
هناك العلاقة القوية بين اللغة والثقافة والمجتمع، فإنها العامل الحاسم في التواصل، ونقل الثقافة؛ ولابد لأن تكون السياسة اللغوية في بلادنا وفق تخطيط دقيق يتمثل في تشجيع مساحة التعليم بالتلقين تارة وغير ذلك تارة أخرى واعتبار اللغة العربية لغة علم، ولغة تواصل يومي في استعمال اللغة العربية، عن طريق تشجيع استخدامها لغة للتدريس فإن أي توجه يغاير هذا التوجه اللغوي يفهم القصد منه أنه إضعاف للروابط القوية القائمة يبن اللغة العربية والدين باعتبارها لغة القرآن، وبها دونت أغلب مصادر التراث والثقافة الإسلامية. فمن يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته. وفقدان الذات يحمل معه فقدان الثقافة ، وتشتت اللغة يعني انفصام الرباط الذي يجمع بين متكلميها، والنتيجة الحتمية هي اندثار الثقافة التي يمثلونها. وإن العامل اللغوي كان ولا زال أهم العوامل في توحيد الشعوب والجماعات البشرية ، والتقريب بين أفرادها.
لابد من وضع منهجية علمية تربوية رصينة في رسم سلسة لمناهج اللغة العربية ، أن تعمل المناهج إلى توفير المادة التي تقوم على ترسيخ أسس الهوية الوطنية وإدراك البعد الزماني والمكاني في كيفية التعامل مع مفهوم الهوية الوطنية مشيرة إلى أن الطفل الذي يأتي إلى المدرسة لا يأتي من بيئة منزلية معزولة فهو يدرك أن هناك آخرين في المجتمع يختلفون عنه في عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة حياتهم.
- الحرص على دراسة الآخر، التي تقوم على دمج الطفل مع الآخر المنتمي إلى دول عالمية تختلف عن دولته .
- وحب الوطن كدرس أكثر أهمية في المناهج التعليمية.
- تعزيز العلاقة البينية بين أفراد الأسرة في البيت ، الصفي والمدرسي مشيرة إلى أن الارتباط بالأسرة .
- أن تقدم المادة التدريسية التي تربط الطفل بالوطن العربي والبلاد العربية ليفهم حقيقة الروابط المشتركة التي تجمع بلده بالدول الأخرى المحيطة.قضية التعريب وإصلاح التعليم :
صحيح أن التعريب أمر مفيد، إلا أن الإشكال هو أنه قرار ما عرف له من قرار لدى أولي الأمر، وأحسب أنهم ما آمنوا به، ولا نشطت له عقولهم، وإنما هو لديهم أمانٍ. هذا هو الإشكال؛ ولو أنهم أخلصوا له لخلص، ولو اتخذوا لذلك أقوياء أمناء لانجلت لهم كل العوائق والموانع؛ فمن جَدَّ وجد، ومن زرع حصد، والسماء لا تمطر ذهباً؛ فاتخاذ الأسباب واجب، ومن جملتـهـا هاهنـا أن يعـرِّب المسئولون خطابهـم؛ فلا يتحدثون إلا بالعربية، وإلا لزمتهم أولاً كفارات تقدر.
ومن مظاهر هذا الاضطراب التعامل مع مبدأ تعريب التعليم؛ وأن الاستقلال السياسي يؤدي ويؤكد ضرورة اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتدريس، معتبراً مبدأ التعريب أحد الأعمدة الأساس التي يقوم عليها إصلاح التعليم في البلاد العربية .
خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر:
التعليم باللغات الأجنبية الوافدة مع الاستعمار للعالم الإسلامي واقع يكاد يشمل كل المؤسسات التعليمية في العالم العربي، وخاصة ما يتعلق من ذلك بعلوم الطبيعة والطب والهندسة ونحوها. تلك قضية أثارت معارك بين المثقفين بمختلف توجهاتهم، كما أنها كانت من أهم القضايا التي رفع لواءَها كثيرٌ من زعماء التحرير في القرن الماضي رغبةً في تعريب التعليم في العالم العربي، لكن كان الإخفاق ـ مع الأسف ـ نصيب أكثر المحاولات! حتى التجارب التي حصلت في مجال التعريب ـ إذا استثنينا بعض الجهات ـ كانت مشوهة؛ بحيث حافظت على الصيغ الأجنبية لأغلب التعابير الاصطلاحية للعلوم المعرَّبة، واقتصرت العملية على تعريب أدوات الربط اللغوي فقط؛ بينما لم يستطع أغلب الطموحين إلى التعريب الشامل الوصول إلى شيء يذكر؛ فإلى أي شيء تُرجعون ذلك؟ وكيف تفسرون هذا الإشكال؟
ويعلق الدكتور الحسن مادي على تدريس العلوم باللغة الفرنسية في بلاد المغرب قائلاً: «إن تدريس العلوم منذ القسم الأول من التعليم الابتدائي، وترك بعض المواد تدرس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية، والأخلاقية، وقواعد اللغة، وكل ما يتصل بالأدب؛ سيخلق لدى التلميذ إطاراً مرجعياً، ينظرون من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم، ولغة أدب، لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجــي، ولغة أخــرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير، وكل هذا يتم كما حددته اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، بداية من السنة الأولى بالتعليم الابتدائي، أي منذ دخول التلميذ إلى المدرسة الحكومية. إنها فعلاً ازدواجية ستصاحب هذا التلميذ خلال دراسته كلها، وتلك وضعية لم يخترها الطفل المغربي بنفسه، بل هي استمرارية لمواقف سياسية لم تحسم بشكل واضح أثناء التفاوض على الاستقلال»([52]) .
ظاهرة التدني اللغوي في التعليم :
يُجمِع كثير من الملاحظين من المثقفين عموماً، ومن المهتمين بالتربية والتعليم في العالم العربي على ما أصاب اللغة بالضعف اللغوي، والتدني الهائل لمستوى التعبير باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة؛ كتابةً وخطابةً وتحدثاً؛ إلى درجة أن هذه الظاهرة صارت تصحب كثيراً من المتعلمين في جميع مراحل التعليم ، مع اختفاء العبـقريات اللغـوية والتعبيرية ؛ بل ساد التدني اللغوي الفادح ، حتى بين اللغويين والأدباء ، والشعراء !
فالتدني اللغوي إشكالية ثقافية؛ ذلك أن تفعيل الثقافة رهين بتطور اللغة، ونمو اللغة يعكس القيم الثقافية للمجتمع الذي يتكلمها، وهما مقياس لإمكانياته وقدراته. اللغة مرتكز اجتماعي أساسي، مرتكز يرتبط بمرتكزين آخرين هما: الدين، والوحدة. ولا ننظر إلى اللغة باعتبارها ألفاظاً، ولكن باعتبارها نسقاً عاماً مشتركاً، يشكل رؤى مجتمعية منسجمة، ويسعف في إقامة التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع، داخل ثقافة تستجيب لحاجاتهم الفكرية والنفسية والاجتماعية. واللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات؛ ليست هامدة ولا جامدة ، بل هي متطورة متحركة، على الرغم مما يظهر أنها تعيش في أزمة ، وأنها تسير بخطى بطيئة. فإذا كانت تعبر عن ثقافة وقيم متكلميها، وتصف سلوكهم وفكرهم فإن الأزمة في الحقيقة ليست فيها ، وإنما هي فيهم ، والبطء ليس صفة لها وإنما صفة لهم .
ومن هنا فإن من جملة أساليب تطوير اللغة ، وتفعيل الثقافة : الاستعمال والتداول. وسبيل ذلك القراءة والكتابة ، ومن هنا كان قول الله ـ جل جلاله - : {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}([53]) ، وقوله تعالى :{ن» وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}([54])
العلاقة بين التعليم واللغة
تعتبر اللغة صاحبة دور كبير في كل مجتمع من مجتمعات العالم كونها وسيلة التواصل الثقافي بين أبنائه ورمزا للهوية وأداة لامتداد الحضارة والتراث ولإيصال العلم والمعرفة إلى اللاحق من قبل السابق. وتتخذ اللغة في مجتمعات الدول النامية أبعاداً أخرى سياسية ونفسية ووطنية وعاطفية، إذ إنها كثيراً ما تتحول إلى رمز للاستقلال والتحرر من المستعمر وركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، كما هي الحال مع اللغة العربية التي أضحت رمزاً لوحدة بلاد العرب من المحيط إلى الخليج.
البعثات العربية في الجامعات الغربية :
أين هي العلاقة بين التعليم واللغة، تلك العلاقة التي يجب أن تكون أساس هوية الفرد وانتمائه؟ تشير الإحصائيات إلى أن هناك 600 ألف طالب عربي يدرسون في الجامعات الغربية رغم ما للعرب من تاريخ عميق في ترسيخ المعرفة والتعليم . يذكر لنا التاريخ الإسلامي والعربي العريق أن الجامعات الإسلامية العربية سبقت جامعات أوروبا بأربعة قرون وأنها لم تكن مقتصرةً على الدراسات الدينية، بل ضمت إليها فنون المعرفة والعلوم وباستخدام اللغة العربية لغةً للتعليم فيها جميعا، ليس فقط في المواد الإنسانية بل وفي المواد العلمية بما فيها العلوم الطبية.
واجب مدرسي اللغة ومعدي المناهج التعليمية :
يجب على من يتصدى لتدريس اللغة العربية لغير المتخصصين أن يراعي تجنب الخوض في قواعد اللغة حتى لا ينفر منها الدارسون، ولكن أن أولا علي انتقاء نصوص شعرية سهلة ميسور فهمها، ثم بعد ذلك يتناول قضية من قضايا المجتمع، ويختار نصًا نثريًا قد يمس القضية ويقرأه مع الطلاب، ويجب إكساب معظم الطلاب خمسة جوانب منها: مهارات القراءة بمعني تقويمها علي أساس صوتي فنهتم بتصحيح أسماء الأصوات إيضاح مخارجها، الجانب الثاني مهارات الكتابة، ويكون بالتركيز علي صحة الكتابة من جهة ثم حسنها وجمالها من جهة أخري. الجانب الثالث مبادئ الصرف ويتضمن نقطتين الأولي استخدام المعجم، والثانية دراسة ما يستخدم من المسائل المصرفية.
أن انفتاح الفرد علي ثقافات الآخرين دون أن تترنح ثقافته القومية في صلب شخصيته غالبًا ما يجعله عرضة للاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية . أنه يجب علينا اللحاق بركب التعلم عن بعد بتعريب العلوم مستغلين التقدم في شبكة الانترنت، والحاسبات المتناهية في الصغر والمؤتمرات عبر شبكات الفيديو.
التعليم الأجنبي في الوطن العربي :
يحتل تعليم اللغات الأجنبية في هذا العصر مساحة كبيرة؛ فالتنافس شديد بين الشعوب في نشر لغاتـها في العالم؛ ذلك أنّ اللغة تحمل ثقافة أصحابها. والأمة التي تحترم نفسها ولغتها، تسعى جاهدة في تبنّي تطوير تعليم لغتها، واختيار أحسن وأنسب الأساليب والطرق لتحقيق ذلك، وتُعِدُّ معلميها إعداداً جيّداً ليجعلوا هذه اللغة تبدو سهلة وممتعة. والمعلم الذي لا يأخذ بالأساليب المناسبة يهدر وقته ووقت طلابه ولا يجني إلا القليل. وإعداد المعلم وتدريبه له مكانة هامة وخاصة، لاسيما معلم اللغة العربية.
تدريس العلوم العلمية باللغة الإنجليزية:
أن تدريس الطب في سوريا باللغة العربية لم يضعف مستوى الأطباء السوريين بل هم من أفضل الأطباء العالم العربي عموما .. ولم نر أن ألمانيا تُدرس الطب أو سائر العلوم بلغة غير اللغة الألمانية ولا فرنسا تدرس في جامعاتها بلغة غير الفرنسية... بل إن الأمر دفع ببريطانيا لدراسة الطرق التي تحمي بها لغتها الإنجليزية من الإنجليزية الأمريكية .والجهل باللغة العربية فقالوا قديماً: "الناس أعداء ما جهلوا".
مخاطر تعلم اللغة الأجنبية على اللغة العربية في مرحلة الطفولة، فاللغة تمثل أقوى رابطة بين أعضاء المجتمع الواحد، ومن مخاطرها أيضًا تأثير المستوى اللغوي والثقافي على المستوى الخلقي والسلوكي نتيجة تعلم لغة بعيدة عن الدين والثقافة العربية. فقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى ما يدل على أن تعرض الإنسان العربي في صغره إلى لغة أخرى يضعف اللغة العربية ولا يرقى بمستواها إلى مستوى الإتقان. وبأن يتم تحويل المدارس التجريبية ومدارس اللغات والمدارس الأجنبية إلي تدريس مختلف العلوم باللغة العربية رفع ا لكفاءة العملية التعليمية و تعميق ا لتوطين العلم في المجتمع وحفاظ ا علي هوية أبنائنا. تدريس مختلف العلوم باللغة العربية رفع الكفاءة العملية التعليمية وتعميقًا لتوطين العلم في المجتمع وحفاظًا على هوية أبنائنا. وكان التدريس في مدرسة الطب بالقصر العيني التي افتتحها محمد علي باشا عام 1838 في القاهرة، كان باللغة العربية وتخرج منها خيرة المتخصصين والعباقرة. فاللغة العربية لها الاعتبار الأول ثم اللغات الأجنبية ، فليس الاعتناء باللغة الأم، وإعطاؤها أولوية انغلاقاً، بل المطلوب هو الانفتاح على العالم، ونقول أيضا انه ينبغي الاعتناء باللغة الأم أولا ثم باللغة الثانية حتى لا يفضي التركيز على اللغة الثانية إلى تراجع الاعتناء باللغة الأم. وللارتقاء بواقع تعليم اللغة العربية وتعلمها، ينظر إلي الأمر نظرة شمولية متكاملة في ضوء منحى النظم التربوية والتعليمية المتاحة بين أيدينا كي نستطيع تعزيز الانتماء إلى الأمة ولغتها الشريفة في نفوس الجيل تخليصا له من عقدة التصاغر تجاه اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية ؛ حفاظا على ذاتيتنا الثقافية وعنوان شخصيتنا وهويتنا،مع الانفتاح على الثقافات الأخرى ؛ لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود كما لا يعني التنازل.
ولا يعني ذلك البعد عن تعلم اللغات الأجنبية بل لابد من دراسة اللغات فهي وسيلتنا للتواصل مع غيرنا من المجتمعات ومتابعة التقدم العلمي العالمي. ولكن الفرق كبير بين تعلم اللغات واعتبارها عامل أساسي لدراسة العلوم المختلفة وبين كونها وسيلة للتخاطب في المجتمع. ولعل هذا يستدعي من رجال التربية والتعليم وضع صيغة جديدة لدراسة اللغات في المدارس مع الحفاظ على الشخصية الوطنية للمجتمع. فنجد هنالك علاقة واضحة بين الذكاء والقدرة اللغوية فضعاف العقول يبدؤون الكلام متأخرين عن العاديين ،و يتأخرون عن الأذكياء ولكن ليس معنى هذا أن كل طفل يتأخر في الكلام لا بد أن يكون ضعيف العقل أو غبياً .
اللغة العربية والانترنت :
اللغة العربية أداة تواصل عالمية وجسر عبور قوي في محيط عربي وإسلامي ،
منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع، تشتمل على عدد من الأنظمة، يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني، تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها؛ فاللغة باعتبارها نصوصاً واصفة؛ تقوم بدور (تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها، أي علاقة اللغة بالثقافة كأداة ؛ لتوحيد الجماعات في مجتمع خاص بهم. فاللغة وعاء للأمة تجعل فيه أفكارها، وثقافتها، ومعارفها، وتاريخها، وبها تصاغ مقومات وخصائص وجودها، ومن ثم فإن التضييق على اللغة العربية ومحاولة القضاء عليها، أو استئصالها فعل ينضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة، بل محق وجودها.
اللغة العربية هي لغة الإدارة :
قال العقاد عن اللغة العربية: "لقد تعرضت وحدها من بين لغات العالم لكل ما ينصب عليها من معاول الهدم ويحيط بها من دسائس الراصدين لها؛ لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية". إن الانتماء الثقافي له اثر كبير في مجتمع المدينة خاصة بعد انتشار الوعي القومي وأن اللغة المتداولة بين الناس في بيئة المدينة وأسواقها تعطي طابعا ثقافيا معينا للمدينة وهذا لا يعني مطلقا بان المتكلمين بتلك اللغة ينتمون عرقيا إلى القومية المعينة. ([55])
ومع انتشار المؤسسات الإدارية المشتركة بين العرب وغيرهم من غير العرب ، خاصة في مجال التجارة والصناعة ، وإلزام وجود الوسيط اللغوي المتمثل في المترجم فأحياناً تميل الشركات إلى أن تكون لغة الخطاب في عمومها اللغة الأجنبية ، وهنا يقع المحظور في استيلاء اللغة الغربية في لغة الخطاب داخل المؤسسة المشتركة ، ويجب ألا يحدث ذلك .
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد ما قام به الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية ، عندما لاحظ الميل إلى الاستئثار اللغوي في الخطاب الإداري بين المؤسسات التجارية الغربية والمشتركة ، خاصة في الشركات المتواجدة في إمارة دبي ، فأصدر مرسوماً عظيماً يدعو فيه إلى استخدام اللغة العربية لغة رسمية ، وشدد على أن تلتزم هذه الشركات باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها ومحرراتها ومحاضرها، خصوصا في عموم المصالح العمومية التي لها علاقة بالمواطنين.
المقترحات والتوصيات
- إن اللغة بلا شك تغتني وتتطور من خلال تراثها الأدبي ، وبالتضافر مع جوانب حياتية أخرى كالإعلام ، غير أن التعليم هو الأساس. وتطوير التعليم يحتاج إلى جهود كبيرة، ويحتاج إلى التمني ؛ بل إلى دعم أكبر ، وتشجيع من الدولة من خلال سن قوانين المنظمة .
- أقترح بإنشاء المجلس القومي للتخطيط اللغوي ، وتقديم الدعم المادي والإعلامي له ، وغير ذلك من جميع أوجه الدعم للحفاظ على اللغات الوطنية ؛ لأن موت أو تراجع أية لغة سيؤدي إلى خلل وضعف في بنية الهوية والثقافة الوطنية.
- ويجب أن نضع في أذهاننا أن الوثيقة الخضراء الكبرى بالنسبة إلى المشرع بما ورد فيها من مبادئ من قبيل الوثائق الدستورية ضمنياً .
- وعند النظر إلى هذه القضية نجد عاملين مهمين لهما عظيم الثر في تحديد وجهة وطبيعة القضية وهما العامل الاقتصادي والعامل السياسي ، فيجب أن نهتم بما يلي :
- إنشاء العديد من الجمعيات الأهلية المعنية مع تمتعها بوضع سياسي مرموق يمنحها سلطة الرقابة اللغوية على كل منشآت البلاد ، والإبلاغ عن أية تجاوزات لغوية. - أن تحصل الجمعيات الأهلية على إعانات مالية من الدولة كما هو الحال مع جمعية حماية اللغة العربية في مصر وارتباطها بوزارة الشئون الاجتماعية.
- ضرورة أن تذعن الدولة بمؤسساتها للتوصيات اللغوية التي تدعو إليها هذه الجمعيات .
- أن تدعم الدولة ندوات ومؤتمرات هذه الجمعيات .لأن الأمر ليس منة منهم ، بل هو واجب ديني وقومي ، ولا أبالغ بأن أقول أنه حق من حقوق الإنسان العربي .
- ومن أهم ما ينوط به دور هذه الجمعيات المدنية الأهلية :
- تقوم الجمعيات اللغوية بتكوين لجان من مهامها مراجعة جميع الإصدارات والأعمال والمؤلفات وكأنها رقابة لغوية .
- ألا تسمح باستعمال أية لغة أجنبية أو لهجة عامية في المؤتمرات .
- أن تراعي الدقة العلمية والمعلوماتية .
- أن تكلف لجنة بمراجعة وتصويب الرسائل العلمية والكتب والإعلانات .
- أن تكلف لجنة بالرد على الاستفسارات اللغوية عن كيفية كتابة إعلاناتهم بلغة سليمة.
- المساهمة في الحفاظ على الوجه العربي للشارع والبيت والمؤسسة ، وتطبيقاً للدستور.
- أن تعطي هذه اللجان المقدرة على رفع الدعاوى القضائية على الحكومات والوزارات وأصحاب المنشآت الصناعية والزراعية والتجارية التي تحمل أسماء أجنبية ، أو تستعمل كلمات أجنبية في التعامل مع المواطن العربي لمخالفتها الدساتير العربية التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد.- أن يكون لها الحق في مخاطبة صناعي القرار ، فيما تتعرض له اللغة الوطنية على يد أعدائها وبعض أبنائها على الرغم من ارتباطها بالسيادة الوطنية والاستقلال الثقافي ، والحضاري وتعبيرها عن الشخصية العربية واتصالها بالأمن الثقافي والحضاري والاقتصادي والأمن العام القطري والعربي.
- نوصى الزعماء والوزراء والمسئولين أن يلتزموا اللغة العربية في جميع المحافل الدولية والمباحثات، واللقاءات الثنائية والمؤتمرات الصحفية المشتركة مع زعماء أجانب. فمما يؤذي مشاعرنا أن يلتزم الوزير الإسرائيلي محترماً للغته الوطنية اللغة العبرية ؛ في حين يتشدق رؤساء الدول العربية باللغات الأجنبية أمام وسائل الإعلام أما مسمع ومرأى العالم.
- يوصى القائمين على التعليم في الوطن العربي إلى التزام الفصحى السهلة الحديثة ، وعدم استعمال اللهجة المحلية خاصة في قاعات الدراسة .
- عدم التبكير بتدريس اللغة الأجنبية في المراحل التعليمية الأولي ، خاصة في الوقت الذي يتعلم فيه أبناؤنا المهارات اللغوية الأولية من كتابة وقراءة ، حتى لا تزاحم اللغة العربية ، ولا تصيب الطفل بالتشتت وازدواج الشخصية.
- وأن تلتزم الحكومات العربية بتطبيق مواد دساتيرها التي نصت على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ، وتطبيق القوانين الصادرة في كل الأقطار العربية ، لأنها اللغة الوطنية وعدم استعمال غيرها في أي من مجالات الحياة العربية مثل القانون 115 لسنة في مصر 1958م، والقانون الجزائري رقم 5 لسنة 91 المعروف بقانون تعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر.
- وأن تقوم البحوث والدراسات العربية في الجامعات العربية بتخصيص مقدار يعتد به من رسائل الماجستير والدكتوراه لتحقيق التراث العربي من البرديات والمخطوطات والكتب، لأن التاريخ العربي هو أهم ما يجمع العرب وهو أحد أعمدة النهضة العربية التي ينبغي أن تقوم على تحقيق التراث العربي ونشره، والإبداع والتأليف باللغة العربية.
- التوسع في تدريس اللغة العربية للأقسام العلمية ، ولكن بتطور يساعد على إتقان اللغة.
توجيه المسابقات والجوائز :
لابد من توجيه الجهود لإغراض مفيدة ، وإن كانت المنظمات الدينية اليهودية تنظم وسائل تبرعاتها المغرضة لتدمير العرب وشباب العرب ، وبأشكال متعددة ومدروسة يخدمها شيطان الفكر الجيد ويوزعون جهودهم في إنشاء القنوات الفضائية الإباحية العربية التي تدمر ونهيك عن الجوانب الأخرى الاقتصادية والزراعية والعسكرية ...إلخ ، وغيرها وكل هذا مدروس بعناية وكل وسيلة لها وقتها ولها غرض ، عندما ينتهي الغرض تنتهي ، وتكون غيرها جاهزة ومدروسة ، أما نحن العرب فلا دراسة ولا تخطيط ولا غير ذلك . ومن ذلك :
تنتشر المسابقات والجوائز في ربوع البلاد العربية ، وبمبالغ مادية ومعنوية كبيرة هائلة ، أحيانا يصل المبلغ في إحدى الجوائز إلى نصف مليون ريال سعودي ، أو 50 ألف دولار. والغرض منها خدمة الإسلام ؛ هكذا قالوا.
ولكن الحقيقة أن هذه الجوائز من أجل السمعة والرياء والمجاملات والعنصرية فالجوائز السعودية أولى بها أولاد السعودية ، وكذلك البحرين والكويت ، والأردن والإمارات إلا ما من رحم ربي ، والأولى أن تكون الجوائز محلية داخل القطر الواحد ، ولا يعلن عنها في الصحف العربية ولا نقول أنها لشباب الباحثين والباحثات في الأمة العربية والإسلامية . وأقول أن هذه الأموال هي محاولة تطهير الأموال من التعاملات الربوية للأموال العربية في البنوك الربوية الأوربية. فكما أنها جاءت من طريق مخالف للإسلام فتكون - بمشيئة الله – ليست لوجه الله تعالى .
المراجع والمصادر
- القرآن الكريم .
- أساس البلاغة ، الزمخشري ، الهيئة المصرية للكتاب 1966م .
- بحوث ومقالات في اللغة ، د. رمضان عبد التواب ، الخانجي ، ط 1 1994 .ص 166 .
- ثقافة قومية عربية مفقودة تعبر عصرين للعولمة " فيصل درّاج ، مجلة الحياة 3/3/2004 .
- الخصائص لابن جني ، تحقيق محمد على النجار، الهيئة المصرية للكتاب 1955م .
- السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، منشورات مجلة علوم التربية، 1999م.
- علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .
- علم اللغة الاجتماعي ، كمال بشر ، مكتبة الشباب1994م .
- العولمة والديمقراطية ، كمال مجيد ، دار الحكمة ، لندن ،2000م . ص 278.
- كتاب الفكر العربي ، د. خالد عبيدات ، مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007 .
- كتاب المناهج بين الأصالة والتغريب لمحمد صالح بن علي جان، المكتبة المكية بمكة المكرمة، 1998م.
- كتاب واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين، سعيد عبد الكريم زيد، مكتبة وهبة بمصر1997م.
-اللغات الأجنبية ، ناف خرما ، وعلي حجاج ، عالم المعرفة ، الكويت 1988م ص 76.
- لغات البشر ، مار يوباي ، تر:د. صلاح الدين العربي ، القاهرة 1970م ص 108 .
- اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية، د. خالد يونس خالد ، دراسة أكاديمية، جامعة أوبسالا، السويد، 2005.
- "اللغة بين والقومية والعالمية"، الدكتور إبراهيم أنيس ، دار المعارف، القاهرة 1970 م .
-مفهوم التلقي من خلال الأنموذج التواصلي نزار التجديتي ، لنظرية زيجفريد شميت ، عالم الفكر ، المجلد 35، 2007.
- اللغة بين القومية والهوية" ، عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة فكر وإبداع ، رابطة الأدب الحديث ، الجزء 38، يناير 2007م .
- اللغة ، فندريس ، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ، ومحمد القصاص ، دار المعارف 1954م
- اللغة والحياة والطبيعية البشرية ، د. بروفسور روي . سي. هجمان . ترجمة داوود حلمي ، جامعة الكويت1989ط1.
- اللغة الإعلامية ، عبد العزيز شرف ، المركز الثقافي الجامعي 1980م.
- نحو قانون للتخطيط اللغوي في السودان ورقة قدمت للمؤتمر الثالث للغات السودانية ، قاعة الشارقة 5 ـ 7 ديسمبر 1995 ـ الخرطوم ).) جمهورية السودان ـ المجلس الوطني ـ الرئيس ـ قانون المجلس القومي للتخطيط اللغوي لسنة 1997ـ 29 نوفمبر 1997 ـ الخرطوم ).- النظرية الألسنية – الألسنية التوليدية والتحولية ، ميشال زكريا ، ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر التوزيع ، بيروت 1986.
- نظرية تشومسكي ، جون ليونز ، ترجمة د/ حلمي خليل ، دار المعرفة الجامعية 1995.
- وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنت ـ وثائق اليونسكو:
المجلات والدوريات :
- مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص 21)
- الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
- اللغـات السـامية، أبراهام بار يوسف، ترجمة: عمرو زكريا، مجلة واتا، العدد 1 2007.)
- اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة ، للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، رقم المبيعA.94.XIV-Vol.1, Part 1، ص 1 .
- مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص50.
-مجلة الثقافة العربية ،" اللغة والنسيج الثقافي للمجتمع"محمد عبد السلام المسلاتي،العدد290لسنة2007م.
- الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم) الباحث حسين عبد العظيم محمود ، (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية ، رسالة ماجستير ، غير منشورة .2007 .
- جريدة الأهرام ، قضايا و أراء (انكسار أمة لا أزمة لغة!) الأستاذ فهمي هويدي، الثلاثاء 3 أغسطس 1999، السنة 123-العدد 41147.
-فضاءات : اللغة وفجوة الخطاب الثقافي ، د عبد العظيم رهيف السلطاني ، العدد34 ، 2007م.
- حالة حضارة اقرأ في عصر نهاية الكتاب أو العرب والكتابة من وجهة نظر علم نفس القراءة ، زهير الخويلدي ، مجلة الحياة الثقافية العدد 151 لسنة 2004م.
- الدكتور محمد عبد الله الركن ، ( مأساة فقدان الهوية الوطنية) ، جريدة الخليج ، 1999/2/22(.
- " دور الإعلام في تقويم الواقع اللغوي المعاصر " عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة العلوم التربوية لمؤتمر " التعليم باللغة العربية في مجتمع المعرفة " يوليو 2005م . ص 285
- ندوة : المركز العالمي الدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر فرع سبها ، 2005-07-28 ، د . العارف نصر المسطر . عضو هيئة التدريس بكلية القانون جماعة سبها.
المراجع الإفرنجية :
Language : An Introduction to The Study of Speech, danial,jons1958.-
- Language and Nationalism in Europe, Stephen Barbour,Cathie Carmichael, OXFORD UNIV PR2002
المواقع الإلكترونية :
-www. exchanges.state.gov/NSLI/progs1.
www.govtrack.us/congress/vote.xpd?vote=s2007-198-
. http://www.shafaaq.com/-
WWW.gilgamisg.org/viewarticle.php.?id=history.20061120 -332.-
WWW.ArabianBusiness_com.-
www.Wikipedia.org= National language. –
وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنتhttp://www.unesco.org./ -
فهرس الموضوعات
م
الموضوع
رقم الصفحة
1
مقدمة
أ – ب
2
الفصل الأول
1 – 9
3
الفصل الثاني
10 – 21
4
الفصل الثالث
22- 34
5
الفصل الرابع
35 – 42
6
الفصل الخامس
43 – 52
7
التوصيات
53 – 55
8
المراجع
56 - 57
([1]) اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة ، للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، رقم المبيعA.94.XIV-Vol.1, Part 1، ص 1 .
([2]) " الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 " مجلة دراسات ، ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص50.
[3])) " مأساة فقدان الهوية الوطنية "الدكتور محمد عبد الله الركن ، جامعة العين بدولة الإمارات العربية (، جريدة الخليج ، 1999/2/22(.
(1)" اللغة بين القومية والهوية"، عاطف إسماعيل أحمد، مجلة فكر وإبداع، رابطة الأدب الحديث، الجزء 38، يناير2007م ص 205 .
(2) اللغة والحياة والطبيعية البشرية ، د. بروفسور روي . سي. هجمان . ترجمة داوود حلمي ، جامعة الكويت1989ط1ص 177.
(3) اللغة ، فندريس ، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ، ومحمد القصاص 269 .
(4) اللغة الإعلامية ، د/ عبد العزيز شرف ، المركز الثقافي الجامعي ، 1980 ص 27 .
(5) "اللغة بين والقومية والعالمية"، الدكتور إبراهيم أنيس 169، دار المعارف، القاهرة 1970 م .
[9]) ) الخصائص لابن جني 2/136 .
([10]) الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
([11]) السابق .
[12])) ( مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص 21)
[13])) ندوة : المركز العالمي الدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر فرع سبها د . العارف نصر المسطر . عضو هيئة التدريس بكلية القانون جماعة سبها ، 2005-07-28 .
([14]) الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
([15]) أساس البلاغة - (ج 1 / ص 38).
([16]) الخصائص لابن جني 2/136.
([17]) فضاءات : اللغة وفجوة الخطاب الثقافي ، د عبد العظيم رهيف السلطاني ، العدد34 ، 2007م.
[18]) ) علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .ص144
([19]) حالة حضارة اقرأ في عصر نهاية الكتاب أو العرب والكتابة من وجهة نظر علم نفس القراءة ، زهير الخويلدي ، مجلة الحياة الثقافية العدد 151 لسنة 2004م.
[20]) ) علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .ص144
([21]) مفهوم التلقي من خلال الأنموذج التواصلي نزار التجديتي ، لنظرية زيجفريد شميت،عالم الفكر،المجلد 35، 2007.ص 296:
[22]))- http://www.shafaaq.com/.
([23] )WWW.gilgamisg.org/viewarticle.php.?id=history.20061120 -332
([24] ) انظر : - (نحو قانون للتخطيط اللغوي في السودان ورقة قدمت للمؤتمر الثالث للغات السودانية ، قاعة الشارقة 5 ـ 7 ديسمبر 1995 ـ الخرطوم ).) جمهورية السودان ـ المجلس الوطني ـ الرئيس ـ قانون المجلس القومي للتخطيط اللغوي لسنة 1997ـ 29 نوفمبر 1997 ـ الخرطوم ).- وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنت ـ وثائق اليونسكو: http://www.unesco.org/
[25])) جريدة الأهرام ، قضايا و أراء (انكسار أمة لا أزمة لغة!) الأستاذ فهمي هويدي، الثلاثاء 3 أغسطس 1999، السنة 123-العدد 41147.
[26])) " ملتقى الهوية الوطنية "برعاية وزارتي الثقافة والشباب وتنمية المجتمع تحت عنوان:" التنوع المجتمعي واللغة العربية " في قاعة المؤتمرات بقصر الإمارات في أبو ظبي. WWW.ArabianBusiness_com
[27])) الأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني أستاذ التعليم العالي (متقاعد)، خبير لدى منظمة الإسيسكو في التربية والتعليم، تخصص اللغة العربية، ومبعوث معتمد لديها إلى البلاد الإسلامية. شارك في وضع الكتاب المدرسي للغة العربية بالمغرب ولدى بعض الدول الإسلامية، شارك في توجيه برامج التعليم المعتمدة لدى وزارة التربية الوطنية بالمغرب وفي بعض الدول الإسلامية. شغل عدة مهام إدارية لدى وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي بالمغرب. شارك في الإشراف على برنامج التعريب لتدريس العلوم بالتعليم الأساسي والثانوي، وهو الآن عضو المجلس العلمي للإرشاد الديني.
[28])) الأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان المولى إسماعيل بالمغرب، تخصص النحو العربي، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس. له مشاركات متميزة في الندوات الجامعية، والأنشطة الثقافية المتعلقة باللغة العربية والدراسات القرآنية.
[29])) الأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي أستاذ التعليم العالي متخصص في اللسانيات الحاسوبية، قسم اللغة العربية. جامعة السلطان المولى إسماعيل، وجامعة الأخوين. أستاذ زائر في الجامعات الأمريكية. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. رئيس وحدة الدراسات العليا في اللسانيات. مسئول نشيط في هيئة (النقابة الوطنية للتعليم العالي) بالمغرب.
[30])) مفكر وكاتب مصري في العصر الحديث ، قال كلامه في كتابه " حياتي ".
[31])) الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم) الباحث حسين عبد العظيم محمود ، (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية ، رسالة ماجستير ، غير منشورة .2007 .
وانظر: www.Wikipedia.org= National language -
([32]) مجلة الثقافة العربية ،" اللغة والنسيج الثقافي للمجتمع"محمد عبد السلام المسلاتي،العدد290لسنة2007م.
([33])"Language and Nationalism in Europe", Stephen Barbour,Cathie Carmichael, OXFORD UNIV PR2002
([34]) العولمة والديمقراطية ، كمال مجيد ، دار الحكمة ، لندن ،2000م . ص 278.
([35])www. exchanges.state.gov/NSLI/progs1. و: www.govtrack.us/congress/vote.xpd?vote=s2007-198
([36] ) ثقافة قومية عربية مفقودة تعبر عصرين للعولمة " فيصل درّاج ، مجلة الحياة 3/3/2004 .
([37] ) كتاب الفكر العربي ، د. خالد عبيدات ، مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007 .
([38]) " دور الإعلام في تقويم الواقع اللغوي المعاصر " عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة العلوم التربوية لمؤتمر " التعليم باللغة العربية في مجتمع المعرفة " يوليو 2005م . ص 285
([39]) Language : An Introduction to The Study of Speech, P.7
([40]) السابق ص170 .
([41]) القيم التربوية في ثقافة الطفل ، ص 153.
([42]) اللغة الإعلامية ،ص 23
([43]) بحوث ومقالات في اللغة ، د. رمضان عبد التواب ، الخانجي ، ط 1 1994 .ص 166 .
([44]) لغات البشر ، ماريوباي ، تر:د. صلاح الدين العربي ، القاهرة 1970م ص 108 .
([45]) انظر: النظرية الألسنية – الألسنية التوليدية والتحولية ، ميشال زكريا ،ص 17، 18 ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر التوزيع ، بيروت 1986.
([46]) نظرية تشومسكي ، جون ليونز ، ترجمة د/ حلمي خليل 286.
([47]) اللغات الأجنبية ، ناف خرما ، وعلي حجاج ، عالم المعرفة ، الكويت 1988م ص 76.
([48]) علم اللغة الاجتماعي ، كمال بشر ، ص33
([49])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 22 منشورات مجلة علوم التربية، 1999م.
([50])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 33 .
([51]) انظر : كتاب واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين، سعيد عبد الكريم زيد، مكتبة وهبة بمصر1997م. وانظر : كذلك كتاب المناهج بين الأصالة والتغريب لمحمد صالح بن علي جان، المكتبة المكية بمكة المكرمة، 1998م.
([52])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 48- ص49 .
[53])) سورة [العلق: 1].
[54])) سورة [القلم: 1] .
([55] ) انظر: ، اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية، د. خالد يونس خالد ، دراسة أكاديمية، جامعة أوبسالا، السويد، 2005.
انظر: أبراهام بار يوسف، اللغـات السـامية، ترجمة: عمرو زكريا، مجلة واتا، العدد 1 2007.)
مقـــدمــــة
إن مسألة اللغة القومية بالنسبة للأمة العربية والإسلامية ليست ترفاً فكرياً يتناوله المفكرون ؛ بل قضية وجود أو عدم وجود . وعلينا أن نفكر بجد في إعادة بناء جيل قيادي متكلم بالعربية الحقيقية ، عربية القرآن ، جيل قادر على بناء الجملة العربية الصحيحة ، على توظيفها واستعمالها والتواصل بها ؛ من أجل إحسان ربط الصلة بالتراث العلمي والحضاري للأمة.
فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان. كانت قضية اللغة العربية ـ باعتبارها جزءاً جوهرياً لا يتجزأ من مفهوم (إقامة الدين) ـ قضيةً من أهم قضايا مشروع التجديد والإصلاح، فلا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم والشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري . ولذلك تعيش اللغة العربية اليوم أزمة شديدة ضمن مشروع استعماري للهوية العربية وسعياً نحو أمية لغوية تعزل المسلم عن كتاب ربه وسنة نبيه ، وتفصله عن تراثه الإسلامي الأصيل.
وانطلاقاً من مباديء ثورة الفاتح العظيم التي تدعو للحرية واحترام الإنسان وخصوصياته ، متمثلة في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
وانطلاقاً من ذلك جاء البحث ليناقش أحقية اللغة القومية في الصون والصيانة والترميم وأن هذا حق من حقوق الإنسان ، خاصة في تدخل بعض الدول التي ترى في نفسها وصية على غيرها ، وأعطت نفسها حق التفتيش والتدخل في المناهج العلمية .
فتناول الفصل الأول اللغة القومية وموقفها من حقوق الإنسان ، وفيه تم عرض القوانين التي تعزز اللغة القومية كحق من حقوق الإنسان ، من خلال تناول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته وبيان مؤتمر الشعب العام الذي صدر في القاهرة بمدينة سبها ، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا من خلال الحقوق الثقافية المتضمنة حق صون وصيانة وترميم اللغة القومية ، ثم الحديث عن الوثيقة وماهيتها وضماناتها القانونية .
ثم جاء الفصل الثاني متضمناً التبعية اللغوية والفكرية من حيث المفهوم والمصطلح ، والانفتاح والتبعية ، وأسباب هذه التبعية ، وفائدتها ، وعالميتها ، ومظاهرها المتعددة ، ونظرة غير العربي للغة العربية .
ثم عرض الفصل الثالث صوراً متعددة لتعدد القوميات في العالم ، ودور اللغة في تحديد القومية نحو القومية الروسية ، والصينية ، والبلجيكية ، والسويسرية ، والأمريكية ، والسودان باعتبارها منطقة متعددة القوميات ، وتجربة السودان في إنشاء قانون للتخطيط اللغوي ، ثم القومية العربية . ثم عرض صور من الاعتزاز باللغة القومية في العصر الحديث . وكذلك عرض صور من آراء بعض المفكرين حول القضية ، نحو: الأستاذ فهمي هويدي ، والسفير الفرنسي باتريس باولي ، والمفكر الألماني" آرنت" ، والأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني ، والأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير ، والأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي من المغرب العربي باعتبارها منطقة صراع لغوي بين العربية والفرانكفونية والأمازيغية ، ثم الحديث عن اللغة القومية واللعبة السياسية ، والمبادرة الأمريكية لتعليم اللغات الحرجة لأبنائها .
ثم جاء الفصل الرابع يناقش تنمية اللغة القومية من خلال اللغة القومية ووسائل الأعلام ،واللغة والثقافة والإعلام ، والعربية وأزمة الفكر ، والازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها ، والازدواجية أو الثنائية اللغوية والبرامج التليفزيونية .
وجاء الفصل الخامس يناقش اللغة القومية والتربية والتعليم ، وتم تناول النقاط التالية : الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية ، ولغة التدريس ، وتدريس اللغة ، والعرض المبسط لقضية التعريب لإصلاح التعليم ، وبيان خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر .
ثم جاء الحديث عن أخطر ظاهرة لغوية تربوية ، وهى ظاهرة التدني اللغوي في التعليم وأسبابها ، والعلاقة بين التعليم واللغة ، البعثات العربية في الجامعات الغربية ، وواجب مدرسي اللغة ومعدي المناهج التعليمية ، والتعليم الأجنبي في الوطن العربي ، وتدريس العلوم العلمية باللغة الإنجليزية ، واللغة العربية والانترنت ، واللغة العربية ولغة الإدارة ، ثم ختمت الدراسة بتقديم المقترحات والتوصيات التي ظهرت من خلال البحث .
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
د. عاطف إسماعيل أحمد
ليبيا – درنـة
12/06/2008م
الفصل الأول
اللغة القومية حق من حقوق الإنسان
تعزيز اللغة القومية كحق من حقوق الإنسان ، ومن خلال :
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته.
- البيان الأول للثورة .
- بيان مؤتمر الشعب العام الذي صدر في القاهرة بمدينة سبها.
- الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
- الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا وطموحات شعب.
لا يوجد حق صريح مستقل يحمل اسم اللغة القومية ؛ ولكنه حق تضمني قائم على علاقة التضمن ، أي أن بعض الحقوق تتضمن حق اللغة القومية ، ويمكن تحليلها على الوجه التالي:
- حق التعليم .( حق التعليم باللغة القومية ، والاعتزاز بها وصونها وصيانتها)
- حق حرية الرأي والتفكير ، وحفظ تراثه وصونه .
- حق التدين وحق الحفاظ على مادة الدين والحفاظ عليها.
تعزيز اللغة القومية من حقوق الإنسان :
إن اللغة القومية أو الوطنية تعزز الثقافة والهوية القومية ، وأي إهمال لها يعد تخريباً جذرياً للغة ، وعند تناول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وديباجته نجده يحمل في طياته ما يؤكد دور اللغة القومية وأهميتها في تحقيق احترام خصوصيات الإنسان كما في :
المادة 22 : لكل شخص، بوصفه عضوا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية .
التعليق :
(هنا إشارة لكل مقومات الثقافة الإنسانية ، وإشارة إلى مقومات الحقوق الاجتماعية ، واللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية تنمو بنمو المجتمع وتنحط بانحطاطه فهي ، لسان الثقافة المعبر ، ومرآة المجتمع بها نعرف كل شيء عن المجتمع فرداً فرداً ، وطائفة طائفة )
وكذلك المادة 26 :
بند 1(لكل شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. ويكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم (بند2( يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام)بند3(للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأولادهم )
التعليق :
(إن كان هذا الإعلان كفل للإنسان حق التعليم ، وحق اختياره ، فمن حق الإنسان أن يطالب بأن يتعلم لغته القومية ، ويطلب من الآخرين عدم التدخل في شؤونه التعليمية ، وبالتالي ليس من المنصف أن تتدخل دولة ما في تعديل المناهج التعليمية لدولة غيرها ، فلكل شعب ظروف تاريخية وجغرافية وحياتية وعادات وتقاليد وديانات وتراث خاص وبالتالي ثقافة خاصة ، ولتنته حماقات الأمم المغرضة التي تفرض نفسها ولغتها وعاداتها وثقافتها على الآخرين ليس من أجل كرامة الإنسان ؛ بقدر ما هي تطاول عليه وانتهازه ، وعدم احترامه للآخر .)
المادة 27 "
بند 1 ( لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفى الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه (بند 2 (لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه) ([1])
التعليق :
(لكل إنسان حق التمتع بالجوانب الثقافية المنتشرة والمناسبة لإماكنياته الشخصية والمادية ، وبما يتناسب مع ثقافته ومستواه الثقافي ، لكي يستطيع التعبير عن نفسه جيداً ، ويكون عنصراً فعالاً ، وليس ذلك فقط ؛ بل له الحق في حفظ مصالحه وحقوقه المادية والمعنوية ، وحفظ كل ما تجود به قريحته من إنتاج أدبي أو علمي ، فهل ترى للغة القومية نصيباً يحتاج من يهتم به ، ويضحي من أجله).
البيان الأول للثورة :
عندما نقرأ في البيان الأول للثورة نجده يحمل هم الأمة على عاتقه ، قائلاً :
" فهاتوا أيديكم ، وافتحوا قلوبكم ، وانسوا أحقادكم وقفوا صفا واحدا ضد عدو الآمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية ، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا، وهكذا سنبني مجدا ونحيي تراثا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب ."
هنا دعوة للاعتزاز بالأمة واللغة مقوم من مقومات هذه الأمة، فهذه مشاعر لا تتجزأ. فمهانة اللغة والعداء عليها من العداء على القومية والوطنية والدين . وأي منكر ، أو متنكر لهذه الحقيقة ينطبق عليه ما نص عليه أيضاً في البيان ، في قوله " والمحسوبية والخيانة والغدر ..." وبعدها قام يدعوا فقال :" بعون الله إلى العمل إلى العلا ، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية ."
بيان مؤتمر الشعب العام صدر في القاهرة بمدينة سبها:
ولنتعرض لبيان مؤتمر الشعب العام صدر في القاهرة بمدينة سبها في 12 ربيع الأول 1397 هـ ، الموافق 2 مارس 1977 م وفيه ما يلي : " ويعلن التزامه بتحقيق الوحدة العربية الشاملة، ويعلن تمسكه بالقيم الروحية ضماناً للأخلاق والسلوك والآداب الإنسانية ، إن الشعب العربي الليبي وقد استرد بالثورة زمام أمره ، وملك مقدرات يومه وغده، مستعيناً بالله متمسكاً بكتابه الكريم أبداً مصدراً للهداية وشريعة للمجتمع ".
هنا القرآن الكريم وجه وأساس الدين ، وسنامه ، ولغتنا لغة ديننا وإهمالها إهمال للدين فلو همشت قضية اللغة همش دور الدين ، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من ينكر هذا البيان (ثانياً): القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية.
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان:
ونعرض أيضاً ما جاء في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان تبدأ الوثيقة بـ(باسم الله ... وإيمانا منه بأن حقوق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليست هبة من أحد ..."
البند العاشر من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان يعبر عن أن الدين أساس من أسس الحياة به يسعد الإنسان لأنه من عند الله ولغتنا من عند الله، سيقول:" أبناء المجتمع الجماهيري يحتكمون إلى شريعة مقدسة ذات أحكام ثابتة لا تخضع للتغيير أو التبديل وهي الدين أو العرف، ويعلنون أن الدين إيمان مطلق بالغيب وقيمة روحية مقدسة خاصة بكل إنسان عامة لكل الناس، فهو علاقة مباشرة مع الخالق دون وسيط ".
أما البند (الرابع عشر من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، يتضمن الصحة الجسدية وحق الطفل في التعليم وغيره من الحقوق التي تضمن له السعادة ، أليس من المنصف أن يتمتع بالصحة اللغوية التثقيفية والفكرية إلى جاني الصحة البدنية، لأننا نبني إنساناً متكاملاً ، فلابد من التوسع في فهم المصطلحات وتوسيع المضامين فيقول:" المجتمع الجماهيري متضامن ويكفل لأفراده معيشة ميسرة كريمة، وكما يحقق لأفراده مستوى صحيا متطورا وصولا إلى مجتمع الأصحاء يضمن رعاية الطفولة والأمومة وحماية الشيخوخة والعجزة، والمجتمع الجماهيري ولي من لا ولي له." وفي البند (الخامس عشر ) من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان أن يتمتع الإنسان بالتعليم المناسب هذا الحق يكفله له القانون ، واللغة هي أساس اللغة قراءة وكتابة وكل شيء عندما يجيدها يجيد كل شيء ، وعندما لا يجيدها يقل فهمه ، ولا يفهم نصوص القوانين ويبعد عن تراثه وأهله وينسلخ من جنسه ، فيقول : " التعليم والمعرفة حق طبيعي لكل إنسان" .
والبند (السابع عشر ) : من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان يدعو إلى التمسك بالقيم والمثل ،والحفاظ علي كل سبب من أسباب الوحدة والترابط بين الناس في الخير من أجل ٌإقامة وطن قومي متماسك الفئات والطوائف ، وفيه :" أبناء المجتمع الجماهيري يؤكدون حق الإنسان في التمتع بالمنافع، والمزايا والقيم والمثل التي يوفرها الترابط والتماسك والوحدة والألفة والمحبة الأسرية، والقبلية، والقومية والإنسانية؛ ولذا فإنهم يعملون من أجل إقامة الكيان القومي الطبيعي لأمتهم ".
والبند (الثالث والعشرون) : من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، يدعو إلى احترام حقوق الآخرين في التفكير ويدعو للسلام ومن مقتضيات السلام مع الآخرين احترام ثقافتهم ولغتهم ، وجميع خصوصياتهم السياسية والاجتماعية والدينية. وفيه :" أبناء المجتمع الجماهيري يؤمنون بأن السلام بين الأمم كفيل بتحقيق الرخاء والرفاهية والوئام.
ويدعو القانون إلى احترام حرية الإنسان في التعبير عن نفسه ، وما دام أنه أعطى الحرية ، فاللغة هي وسيلة التعبير عن الرأي وسلامتها من سلامة هذا التعبير ، وهي شخصية المجتمع فأي عداء عليها هو عداء على مقدرات الشعب الثقافية ، وأساس من أسس الاتصال والترابط بين أجزاء المجتمع .
- قانون رقم 20 لسنة1991م ، المنبثق من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، وبشـأن تعزيـز الحريــة .وسنعرض المواد التي تتضمن ما سيتم التعليق عليه :
المادة الثالثة : الدفاع عن الوطن حق وشرف لا يجوز أن يحرم منه أي مواطن أو مواطنه.
لقد تغير مفهوم القومية والمواطنة في كل دول العالم اليوم، المواطن هو الذي عاش فترة من الزمن في أحد البلدان ، ويتكلم لغة هذا البلد ، ويفكر بتفكير أهله ، واندمج في مجتمعه حتى لو لم يكن يمت بأي صلة لهذه الدولة.
" وهذا هو ما استقرت عليه قواعد القانون الدولي ، وأكده ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته ، ومادته الأولى .فقد جاء في ديباجة الميثاق ، يؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره . "([2])
لا يخلو دستور دولي من تحديد لغة القطر الرسمية التابعة له ، فالدستور المصري في مادته الأولي أن اللغة الرسمية للبلاد اللغة العربية ، وكذلك القانون الليبي وجميع قوانين البلاد كون اللغة تمثل عنواناً لثقافته وهويته ، ورمزاً لسيادته الوطنية ، ومقوماً من مقوماته الحضارية والإسلامية الأصيلة التي يجد جذوره في كون هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم ، وأن جميع الشعوب التي تحترم تاريخها وهويتها ومستقبل أجيالها تقدم النموذج على مدى الاهتمام بتطوير وتنمية استعمال لغتها الوطنية في كل مجالات الحياة وتحاول حماية ذلك بقوانين صارمة.
فإن منظمة (اليونسكو) تحث أمم الأرض قاطبة أن تكون كل العلوم بلغاتها الوطنية، إن كانت تريد المشاركة في إنجاب العلماء، لأن أقصى ما تصل إليه أمة تدرس العلوم بلغة غيرها أن تظل تابعة ومستوردة ومستهلكة للنظريات والاختراعات الجاهزة المستوردة.
يقول الدكتور محمد عبد الله الركن ، أشار فيه إلي أن مأساة فقدان الهوية الوطنية تكتمل عندما تشرع مؤسساتنا التربوية في الاستنكاف عن استخدام اللغة العربية أو السعي لمنافستها باللغة الإنجليزية. فلا أحد يمانع في مجاراة العصر واستخدام لغته الأساسية, ولا يجادل أحد في أهمية اللغة الإنجليزية في بعض جوانب الحياة العملية. ولكن أن تصير هذه اللغة هي الأساس والمحور الذي تدور عليه كل تعاملاتنا وعلاقاتنا وتصوراتنا ، فذلك مما يخالف دستور الدولة وقوانيها ، كما انه يمثل عدوانا علي هوية وثقافة أبناء البلد.([3])
إن اللغة القومية ليست مجرد رطانة تلوكها ألسنة الشعوب، بل هي حقوق والتزامات ، وواجبات ، ولكنها من تجليات الانتماء والهوية ، لذلك فلن تكون هناك وحدة وطنية بدون لغة وطنية. ألا تري من خلال ما تم عرضه هنا أن اللغة القومية وصونها والاعتزاز بها وصيانتها وترميمها حق من حقوق الإنسان .
كما كانت الحرب العالمية الثانية نهاية حرب الحلفاء مع النازية، وبداية حرب الحلفاء فيما بينهم. وكانت تلك معركة المصالح والشعارات والعقائد التي جرت آخر فصولها على أرض العرب، ودفع ثمنها العرب، وأتت على كثير من مقومات القوة والحيوية والوجود لدى العرب .
إن العربية الفصحى ليست لغة تخاطب فحسب ، ولكنها لغة عبادة ، يقرأ بها القرآن ، وتتم بها مواثيق الزواج ، ومن يتهاون في أمرها أو يفرط في شأنها ، فإنما يفرط في جزء من دينه وعقيدته ، فاللغة وعاء كبير يحوي فكر المجتمع وثقافته، وهي مرآة لكل ما يموج به هذا المجتمع من نشاط([4]) " وأن الحياة الاجتماعية كما نعرفها لا يمكن تصورها بدون اللغة نشاط " وأن الحياة الاجتماعية كما نعرفها لا يمكن تصورها بدون اللغة "([5]). رغم التعدد اللغوي الكبير في أرجاء المعمورة ، وما قيل : أنه " يوجد من اللغات بقدر ما يوجد من البشر "([6]) وهذا التعدد مرده إلي رافد واحد وهي لغة آدم عليه السلام ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) " نجد بعد ذلك جماعة من المفكرين يتبنون فكرة أن اللغة أساس القومية منهم ماكس نورداو "([7]). وأن لعلاقة العربية بغيرها من " قبل استبدال الحرف اللاَّتيني بالحرف العربي، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي."([8])
لقد مر أكثر من نصف قرن على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن الربع الأخير من القرن العشرين هو الذي شهد توسعاً وانتشاراً للحديث عن حقوق الإنسان . أن الخرق الفاضح والمستمر لحقوق الإنسان وفي كل الأحوال لا يعطي لمنظمات حقوق الإنسان حق لعب دور القاضي أو المحكمة، بل تقع عليها مهمة الكشف ومتابعة حالات الخرق والمساعدة في إصلاحها، بما فيها لجوءها للقضاء وتقديم ما لديها من معلومات تخدم ذلك.
إن اللغة واحدة من أهم الصفات التي تميز الإنسان عن جميع الكائنات الحية الأخرى، فاللغة في كل أمة وعاء تراثها وأداة تعبيرها وركيزة انتمائها وغرس مثلها ومبادئها وتثقيف ناشئتها وتعليمهم ما تحويه من آداب وأخلاق ، فإذا كان القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أعلمنا بأن اللسان العربي بينٌ فإن اللغة العربية قادرة على الإبانة والاستيعاب لما جد وما سيجد ، وأي قصور يبدو فهو من قصور أهلها. فاللغة هي وسيلة الاتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال ، فهي اجتماعية الأصل والفروع ، وهي" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"([9]) ، وهي أداة التعبير عن الفكر ، وغرس الأخلاق والفضيلة في الأمم إلى جانب السلوك القدوة. فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا . إن الخلل الحقيقي ليس في اللغة العربية وإنما فينا فكلما ضعفت الأمة ضعفت لغتها فلا شك أن اللغة العربية هي مرآة الأمة ووسيلة لتبادل الثقافات وفي مجتمعاتنا العربية تنتشر مظاهر الاحتلال الثقافي ونشر الثقافة الغربية في بلادنا باللغات الأجنبية وللخروج من هذه الحالة ما علينا سوى مقاومة الاحتلال والحث على استعمال اللغة العربية. فإذا كانت اللغة هي بوتقة الحضارات، فإن الإنسان هو حامل هذه البوتقة فطالما ابتعدنا عن ديننا الحنيف اضطلاعا وتطبيقا. فقد ابتعدنا عن لغتنا الأم اللغة ذات القواعد السليمة كالقرآن. وأصبحنا متخلفين ومتعصبين وفارغين وقبليين.
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في ليبيا وطموحات شعب :
أن الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير تعبر عن طموح شعب لأول مرة يعبر عن نفسه بنفسه وللآخر ، فاستحق بها حق الريادة الشعبية لهذا الموضوع الذي كافحت الشعوب طويلا كفاحا مريراً من أجل الحصول عليه . إذن فالوثيقة الحقوقية الشعبية التي صدرت في البيضاء يوم الثاني من شهر الصيف عام 1988 ف ، التي سميت بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير " هي أعظم إسهام حقوقي في قضية حقوق الإنسان " . ([10])
وإن الشعب الليبي الذي اكتسب جدارة ممارسة السلطة الشعبية وامتلك بها زمام أمره وتحكم بصيرورة الحياة الاجتماعية فوق أرضه من حقه بما يملكه من إرث عرفي إنساني عظيم وهو يؤمن بدين سماوي مقدس وما تراكم لديه عبر حقب تاريخية وعصور حافلة بالمقاومة ، وما مر به من ويلات وألم وعذابات ناتجة عن الغدر والخيانة فمن حقه أن يعبر عن جدارته بالحرية . ([11])
وأن حقوق الإنسان ظهرت في مرحلة معينة من التاريخ الإنساني ، وتعبر عن نضال الإنسان من أجل البحث عن حقوقه ، فالإنسان هو الذي يحصل على هذه الحقوق ، وهي نتاج كفاح إنساني لإعادة تنظيم الحياة بما يكفل جميع الحقوق فيها ، وهى تقترن بالواقع المعيشي. فهذه الحقوق الإنسانية على اختلافها تمثل الوعي بالحاجات والمطالب الأخلاقية هكذا هي نتاج وعي الإنسان بسلبيات نظمه الاجتماعية وتتوجه نحو الإنسان كما يجب أن يكون . وتمتاز بأنها تنطلق من الواقع وليست حلولا مباشرة لمشاكل الواقع .ولا يحدها الزمان ولا المكان ، ولا تخص مجتمعا معينا أو ثقافة معينة .وتخاطب الإنسان بكافة شرائحه ، أي أنها تتوجه للإنسان كإنسان ما وراء التنوع الاجتماعي الثقافي الديني ، وتفقده العدوانية بدون أن تلغيه .
فإن الفكر الجماهيري( النظرية الثالثة ) بصمات واضحة على الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988. وإذا لم يتم استيعاب هذا الفكر ، فإنه من الصعب بمكان استيعاب الوثيقة وبنودها . ([12])
إن اعتزاز الإنسان بإرادته وكرامته وحريته هي التي جعلته يسعى دائماً وأبداً للحصول على حقوقه الأساسية التي تفرضها طبيعته ، وأن حقوقه وحرياته الأساسية لم تتقرر وتتأكد بيسر وسهولة ، ولكنها أصبحت على ما هي عليه بعد كفاح مرير قدمته الشعوب من أجلها وعندئذ تعززت حقوق الإنسان شيئاً فشيئاً ، وتم النص عليها في القوانين الداخلية ، ثم اتسعت فشملت العالم كله ، وظهرت في صورة إعلانات ومواثيق دولية . ولكن العبرة بمدى تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع والتمتع بها من قبل أصحابها ، وإلا لم يكن لها أي جدوى إذا بقيت حبيسة النص النظري . ([13])
والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان هي وثيقة فلسفية (عقائدية) تضمنت جملة من المبادئ الأساسية التي ينبغي مراعاتها عند صياغة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك فيما يخص تنظيم علاقة الدولة بغيرها من الدول، وهي لا يمكن وضعها موضع التنفيذ إلا بعد صياغتها في قواعد قانونية (أي قوانين جاهزة للتطبيق) وهذا ما قام به المشرع الليبي عندما بادر بإصدار القانون رقم (20) لسنة1991 بشأن تعزيز الحرية والقانون رقم (15) لسنة 1427 بشأن حماية الطفولة، وبالتالي فإن البحث عن القيمة القانونية للوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان إنما يكون من خلال القوانين المنفذة لها ولاسيما منها القانون رقم (20) لسنة91 بشأن تعزيز الحرية. ([14])
الفصل الثاني
التبعية اللغوية والفكرية
الانفتاح الفكري والثقافي والتبعيّة
أسباب التبعية اللغوية
عالمية التبعية اللغوية
سر الرغبة الأوربية في السيادة اللغوية
مظاهر التبعية اللغوية
الإنسان وحب المعرفة اللغة العربية عند غير العرب
المكانة العلمية للغة العربية : الحضارة والثقافة
التبعية اللغوية والفكرية:
التبعية من التابع والتتبع ، والسير وفق ما يتبعه الغير، وأتبع أثره وأتبعه زاده. وأتبع القوم: سبقوه فلحقهم. يقال: تبعتهم فأتبعتهم أي تلوتهم فلحقتهم. ([15]) اللغة في كل أمة وعاء تراثها وأداة تعبيرها وركيزة انتمائها وغرس مثلها ومبادئها وتثقيف ناشئتها وتعليمهم ما تحويه من آداب وأخلاق ، فإذا كان القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أعلمنا بأن اللسان العربي بينٌ كما إن اللغة العربية قادرة على الإبانة والاستيعاب لما جد وما سيجد ، وأي قصور يبدو فهو من قصور أهلها. فاللغة هي وسيلة الاتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال ، فهي اجتماعية الأصل والفروع ، وهي" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" ([16])، وهي أداة التعبير عن الفكر ، وغرس الأخلاق والفضيلة في الأمم إلى جانب السلوك القدوة. فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا . إن الخلل الحقيقي ليس في اللغة العربية وإنما فينا فكلما ضعفت الأمة ضعفت لغتها فلا شك أن اللغة العربية هي مرآة الأمة ووسيلة لتبادل الثقافات وفي مجتمعاتنا العربية تنتشر مظاهر الاحتلال الثقافي ونشر الثقافة الغربية في بلادنا باللغات الأجنبية وللخروج من هذه الحالة ما علينا سوى مقاومة الاحتلال والحث على استعمال اللغة العربية. فإذا كانت اللغة هي بوتقة الحضارات، فإن الإنسان هو حامل هذه البوتقة فطالما ابتعدنا عن ديننا الحنيف اضطلاعا وتطبيقا. فقد ابتعدنا عن لغتنا الأم اللغة ذات القواعد السليمة كالقران. وأصبحنا متخلفين ومتعصبين وفارغين وقبليين.
الانفتاح والتبعيّة:
الانفتاح مصطلح عرف لدي بعض المبهورين بما لدى المستعمر من مرونة ووعي وعلم ، فاتخذوه سلماً للتبادل الحضاريّ – كما يدعون - ، رغم أنّه لم يحقّق للأمة سوى التضليل الذي جعلها تقبل بالاستلاب والتبعية ؛ لأنّه في الأصل تبعية عمياء ، فهو مصطلح عائم ومضلل لم يخدم الأمّة، ولم يُبَصّرها بعواقب القبول بثقافة عدوّها، لأنّه فُرِض على الأمّة قسرًا ، ورغم كل الشروط التي حاولت أنْ تُقنّن له، أو تضبطه، إلا أنّه لم يُستثمر إلا استثمارًا سلبيًّا في تغريب الأمّة ومحاولاً اقتلاعها من جذورها ، فهو انفتاح قسريّ إجباريّ ، وغدونا رهينة ثقافة الاستلاب والتبعيّة، وأصبحت أجيال المثقفين فراغاً علميّاً دون مرجعيّة، ودانت الخبرات التراكميّة للثقافة الأوروبيّة القائمة على الفلسفة اليونانيّة، والثقافة الرومانيّة، والمسيحيّة المفرغة من عقيدة التوحيد، والتدين المليئة بالجديد من سم الفلسفات الأوروبيّة الحديثة ، التي أخضعتنا لمساو يء العلمانيّة ، وحلم الديمقراطيّة الزائف، فانجرفنا في تيار العولمة الجارف .
أسباب التبعية اللغوية :
تتفاوت طبيعية ومستوى المعوقات التي تتحكم في مسار نشر الثقافة العلمية والتقنية وتتفاوت ردود فعل المجتمعات العربية إزاء مفاهيم العولمة. عدم حسم كثير من قضايا حماية الملكية الفكرية. ضعف دور المجتمع المدني ، ضعف دور المؤسسات القطرية والقومية ، إلا أنها تتسم بملامح رئيسة يمكن صياغتها في السياقات التالية:
1- السياق الاقتصادي والتقني:
السياق الاقتصادي، عدم تحرير الأسواق العالمية، غياب التكتل والاندماج الاقتصادي ، التخلف الاقتصادي ، انكماش فرص العمل، البطء في إقامة نموذج اقتصادي جديد ، التبعية التقنية، غياب الترجمة العلمية، عدم توفر مصادر المعلومات، قصور جهود البحث العلمي، تهديد أمن شبكات المعلومات العربية.
2- السياق الفكري الثقافي:
بسبب تفشي الأمية ، وهيمنة الخرافات ، فقر الثقافة ، وعدم الاهتمام بالعلوم ، ندرة الاهتمام بالمكتبة والكتاب العلمي المبسط ، اهتزاز القيم الثقافية، استئناس التنوع الثقافي ، غياب الحوار بين العلوم والفنون، تجاهل التفكير العلمي .
3- السياق التربوي:
وتتلخص أهم مشكلات التربية والتعليم في :
- تهميش العلماء وعزوفهم عن نشر الثقافة العلمية .
- عدم كفاية التعليم اللاصفي .
- ضعف النظم التربوية ، التبعات الباهظة للاقتصاد التربوي.
- عدم تحقيق غايات التربية ، مع ضعف إرادة التجريب والتطويع.
4- السياق اللغوي:
تطويع اللغة العربية ، ضعف أساليب تعليم اللغة العربية ، عدم تطوير برمجيات ذكية لتعليم وتعلم اللغة العربية ، تهميش اللغة العربية عالمياً ، تغريب اللغة العربية.
السياق الإعلامي: قصور الإعلام العربي ، تبعية الإعلام للسياسة ، حيود الإعلام عن مهامه الرئيسية ، سطوة شبكة الإنترنت على الإعلام ، تسطيح الإعلام العربي ، عدم اكتراث متلقو الثقافة العلمية.
فالثقافة محور عملية التنمية في مجتمع المعرفة ، واللغة الأم محور منظومة الثقافة المتجذرة والأصيلة بلا منازع ، وتشرفت اللغة العربية بأنها حملت أبلغ المعاني وأرقى الصور البلاغية بوصفها لغة القرآن الكريم وهو شرف اختصت به هذه اللغة وهي تعبير حي عن الثقافة البشرية وهي تهب الحياة لتنوع التجارب الإنسانية. وبقدر ما يعتبر التنوع الو راثي ملكاً مشتركاً يجب حمايته، فإن التنوع اللغوي أيضا إرث عالمي يستحق الحفاظ عليه ، للغة أهمية في حياة الشعوب وأثرها في تقدم الأمم وازدهارها . فاللغة العربية لغة القرآن الكريم، واسترجاعها ليس فقط مطلبًا وطنيًا، لكنه واجب أمام الله تعالى.
عالمية التبعية اللغوية :
فالتبعية داء يصيب اللغات العالمية جميعها ، ولكنه بشكل نسبي وتتحكم فيه عوامل عدة ، ويظهر في عدة أشكال كما يطلق عليه في عرف اللغويين (القرض اللغوي ) ، ولكنه عندما يخرج من إطاره يصبح مرضاً .
اللغة العربية التي شرفها المولى تعالى بأن جعلها لغة خاتم كتبه إلى الناس "القرآن الكريم"، وهي لغة مصدر التشريع للأمة "القرآن الكريم" والأحاديث النبوية الشريفة، ولا تتم الصلاة إلا بها ، ويتحدث بلسانها ما يقرب من 350 مليون إنسان على كوكب الكرة الأرضية. والعربية اسم مشتق من الإعراب عن الشيء يعني الإفصاح عنه، فهي لغة الفصاحة. فاللغة الألمانية رغم أنها لغة صعبة التعلم، وهي لغة فقيرة في عدد جذورها اللغوية، وهم يلجئون دائماً للنحت والاشتقاق، ويضيفون عدداً من الحروف قبل بداية جذر أو بعده لتكتسب الألفاظ معاني مختلفة تماماً.هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تسمعها في كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية .
سر الرغبة الأوربية في السيادة اللغوية:
يتنافس الأوربيون فيما بينهم في نشر لغتهم وثقافتهم بين شعوب العالم الثالث؛ لأن التبعية الثقافية تعود عليهم بالفائدة الاقتصادية في صور أسواق مفتوحة، ومواد (خام) رخيصة، ومشاريع عمرانية وصناعية وزراعية؛ يجنون من ورائها المليارات من الدولارات.
مظاهر التبعية اللغوية :
اللغة أساس وحدة الأمة , ومستودع حضارتها ،إن الاعتزاز باللغة والدين والثقافة والقيم الاجتماعية والأخلاقية لدى شعوب العالم أمر لا يحتمل المساومة، وأنه ضروري من أجل تلاحم الشعب بجميع فئاته وقبائله وزيادة ترابطه وتماسكه. ففي ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومعظم الدول الأوروبية، لا تجد فرداً من عامة الشعب يتكلم بغير لغته القومية.
فمن مظاهر الانهزامية في اللغة:
تعميم تعلم اللغة الأجنبية في المراحل التعليمية الأولى ، وانتشارها في أسماء المحلات والسلع والأطعمة، وكذلك التحدث بها لغير حاجة. مما أدي إلى ترك اللغة وبالتالي أصبح ذلك من مظاهر الانهزامية وحاجة الأمة إلى سياسة لغوية لأن لغة الأمة ميزان دقيق ومعيار أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأداة الحضارة ؛ غير أن استعمال الفرنسية في الحياة العامة الذي بدا أول الأمر مؤقتا، قد ترسخ بصور دائمة في الحقل اللساني المغربي. فالتعلق بالأجنبي ثقافياً وفكرياً، وأصبحت النظرة إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.
فالشارع مزدوج اللغة
إن التحدي الذي يواجه اللغة العربية نتاج انفجار إعلامي راح بعضهم يطلق ألفاظا ليست من لغته كـ(ok) التي لها أكثر من مرادف بالعربية منها (حسن،طيب،كويس) - ويتضح لنا عند التحليل والتدقيق كيف - يسارع العرب إلى التخلي عن لغتهم ، وتظهر لنا النفسية المتخاذلة والضائعة والتائهة عند أغلبهم والتي تبني ، ولا تؤسس، على معرفة مجتزأة وقواعد واهية وتطلعات واهمة . ولا ريبة أن ثمة تصلباً وتحجراً في الآراء والمواقف وتحاملاً على اللغة العربية بحجة التجديد والتحديث والعولمة ، وكذلك في إشارات المرور ، والكتابات على المباني العامة ، وعناوين المحلات ، واللافتات الإعلانية .
فالقانون الفرنسي الصادر في أغسطس (1994م) المتعلق باستخدام اللغة الفرنسية ينص في المواد (2،3،4) على لزوم استخدام اللغة الفرنسية في بيان وتسمية الممتلكات والمنتجات والخدمات وتقديمها وعرضها وكذلك في النصوص الدعائية والإعلانات المخصصة . إن تعايش اللغتين الفرنسية والعربية بارز في كل مكان وعلى جميع مستويات الحياة اليومية. حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة؛ فاضطربت لغة التفاضل، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفاً إلى تخلفهم، وبعض الوثائق مثل الكشوف البنكية ، وبيانات الصيانة على الأجهزة المنزلية ، وسمات الملابس تكتب أحيانا باللغتين وأحيانا تكتب بالفرنسية فقط ، خاصة حين يتعلق الأمر بالمواد المستوردة ، وكذلك الإعلانات التجارية في الإذاعة والتلفزة وفي الصحف : وبهذه القنوات وغيرها تهيأت الشعوب العربية في شتى أقطارها الى إضعاف اللغة العربية وانبهر العرب وبدأوا بجفاء لغتهم في محادثاتهم العادية والهاتفية وتبادل التحية فيما بينهم. وعلى اللافتات تحرر في الغالب باللغتين: أسبانيا يرتادها سنويا أكثر من (خمسين مليون سائح) وتعد السياحة الدخل الأول للدولة ومع ذلك لم يكتب الأسبان أسماء شوارعهم أو تعليمات المرور بلغة أجنبية ولم يغيروا الإرشادات في متاجرهم وطرقها وما يرتاده السائح عادة ، فهل أثر استمساكهم بلغتهم على سياحتهم وهل نفعتنا إرشاداتنا الإنجليزية أو دعمت اقتصادنا ...؟
اللغة والدين :
وبفضل الإسلام وفي ظله ، دانت اللغات التي التقت بها اللغة العربية و جاءت اللغة الفاتحة ، المبشرة بالدين الجديد، فاستمالت لغات شائعة دان أهلها بالإسلام ، فارتضوا لغة كتابة المقدم بديلاً من لغاتهم ، أبدعوا في اللغة الجديدة ، بقدر إيمانهم بالدين الوافد ، فجعلوا منها اللغة العالمية ، انعكاساً للرسالة التي جاءت رحمة للعالمين . واعتزت اللغة العربية كما عز العرب أنفسهم بعزة الإسلام ، وعاشت أزهى نمائها ، وأوفى عطائها عرفت كيف تكون الجسر الأمين لعطاء الحضارات الأخرى للحضارة العربية الإسلامية . ولكنها تعاني من الانحطاط والتبعية ، فهان أمرها على الناطقين بها ، والكائدين لها .وكما اعتزت اللغة العربية بعزة الإسلام في الصدور ، هانت بهوانه في النفوس ، وعرفت الحضارة العربية الإسلامية عهودها المظلمة وركودها الفكري ، وخمودها الإبداعي ، فانكفأ العطاء إلى انزواء ، وأعقب التفتح انغلاق كثيف الحجب ، واليد العليا ارتدت إلى مقابلتها السفلي ، فكان ما كان من هوان العروبة والإسلام . فكيف نطلب ممن يحاربون الدين وتعاليمه أن يدافعون عن العربية . ص 46 :فالأمة العربية ليست بدعاً بين أمم الأرض .فهي تمتلك نظاماً لغوياً دقيقاً محكماً ، أهله ذلك لأن ينتقي ليكون النظام اللغوي الذي تبلغ من خلاله إرادة الله تعالى بكل تفاصيلها . ([17])
أعتقد أن العروبة شعور وإحساس وآمال وانتماء وطني ولغة عربية ودين إسلامي وإقليم وطني، ونحن هم الذين يتمثلون تلك الأوصاف. إذن هذه هي هويتنا ولا يمكن الانطلاق إلا بعد رسوها الكامل على شاطئ الأمان والاستقرار.
فاللغة العربية جامعة الشعوب التي ارتضت الإسلام ديناً ، والكتاب المنزل شريعة ، فكيف يتنكرون لها ، فمن يتنكر لها يتنكر للدين . فهناك حقيقة لابد أن نضعها في أذهاننا مفادها :
- أن الله اختصنا من دون البشر برفع لواء اللغة ، وهي وعاء الدين ، فكل من يري في نفسه شيئاً منها فهو غير جدير بتحمل مسئوليتها .
تشرفت اللغة العربية بأنها حملت أبلغ المعاني وأرقى الصور البلاغية بوصفها لغة القرآن الكريم وهو شرف اختصت به هذه اللغة وهي تعبير حي عن الثقافة البشرية وهي تهب الحياة لتنوع التجارب الإنسانية. وبقدر ما يعتبر التنوع الوراثي ملكاً مشتركاً يجب حمايته، فإن التنوع اللغوي أيضا إرث عالمي يستحق الحفاظ عليه.
للغة أهمية في حياة الشعوب وأثرها في تقدم الأمم وازدهارها . فاللغة العربية لغة القرآن الكريم، واسترجاعها ليس فقط مطلبًا وطنيًا، لكنه واجب أمام الله تعالى. اللغة العربية التي شرفها المولى تعالى بأن جعلها لغة خاتم كتبه إلى الناس "القرآن الكريم"، وهي لغة مصدر التشريع للأمة "القرآن الكريم" والأحاديث النبوية الشريفة، ولا تتم الصلاة إلا بها ، ويتحدث بلسانها ما يقرب من 350 مليون إنسان على كوكب الكرة الأرضية. والعربية اسم مشتق من الإعراب عن الشيء يعني الإفصاح عنه، فهي لغة الفصاحة.
إن لغات العالم جميعها وبمرور الأيام طرأت عليها تغيرات مما أدى تقدمها ولكن تلك التغيرات لم تظهر بصورة طبيعية إنما ظهرت بصورة رئيسة نتيجة التطور التكنولوجي، خاصة بعد ظهور الطباعة، فضلاً عن ذلك يجب أن لا ننسى تأثير ودور النقاد والمصححين اللغويين في مجال تطور اللغة. وبذلك كان للأدباء والكتاب مع تكنولوجية العصر دور كبير في حفظ وتطور اللغة. اللغة العربية والإسلام طاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما والفصل بينهما هو الذي أدى إلى تأخر المسلمين في فهم الإسلام فاللغة العربية وعاء الإسلام ، ووعاء الثقافة الإسلامية ، وهي لغة مقدسة وقد أدرك المسلمون ذلك فهبوا إلى خدمتها من مختلف الأجناس والأوطان لأنه استقر في يقينهم أن خدمتها خدمة للإسلام وانتشاره وظهوره والارتقاء بفهمه ، فلغتنا العربية هي لغة القرآن الكريم وربما تقطيع أوصال الوطن العرب إلى دويلات بحيث تستقل كل دولة بلهجتها خلف حدودها هو هدف خبيث سعى إليه المستعمرون وقد نجحوا في جعل اللغة العربية تندب حظها من أبنائها .
تمكن اللغة الإنسان من ممارسة التفكير والحياة الاجتماعية وتساعده على التأثير في غيره من الناس وتساعده على تلبية مطالبة الجسمية والمادية وترتقي في تلبية حاجاته حتى تصل إلي نقل الأفكار وتبادل المعارف وتعطيه شعوراً بالانتماء لأمة معينة ([18]) .
المكانة العلمية للغة العربية :
إن الأعاجم حريصون علي تعلم اللغة العربية والتعمق فيها وذلك ليس لأغراض مادية بحتة ؛ بل من أجل الحفاظ عليها وصيانتها و حمايتها من كل سوء. والحقيقة أن علماء باكستان والهند و بنجلاديش وغيرها من الدول العجمية لا يجيدون المحادثة باللغة العربية كما كان هو المطلوب. و هذا شيء طبيعي لأنهم لا يجدون بيئة اللغة العربية حولهم ولكنهم يقومون بذلك للحفاظ علي لغة القرآن ويحافظون عليها ويتعمقون فيها.
وهي اللغة التي بنى بها المسلمون حضارتهم وتقدمهم الفكري والعلمي، ولما ضعفت، توقفت معها حضاراتهم وتقدمهم، ولم نسمع في التاريخ عن أمة تقدمت في أي مجال من المجالات بلغة قوم آخرين؛ فلا اليابانيون ولا الصينيون ولا الهنود غيروا لغتهم حتى يحدثوا تلك القفزة الصناعية والعلمية في بلادهم. أما نحن العرب فقد غيرنا كل شيء - حتى أسماء أبنائنا- حتى ندرك التقدم، فأصبحنا في ذيل الأمم، فلم نحتفظ بلساننا الذي من خلاله يحدث التقدم والرقي، ولا أتقنا لغة غيرنا، وإن إتقانها فلن تغير فينا، فهي ليست لغة الوجدان الذي نشأ على العربي ، فيمكن اللغة العربية أن تتسع لكل ما يصدر عن العقل البشري من علوم ومعارف وآداب ، فاللغة العربية قادرة على استيعاب المستجدات العلمية وهذا يتطلب جهداً مضنيا .
والاهتمام باللغة الأم موضوع قديم عند رجال الفكر الإنساني من مفكرين وفلاسفة فنجد عددا من فلاسفة الغرب ومفكريه قد أشار إلى أهمية اللغة الأم، فنجد «هردر» الألماني يقول: إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، وقلب الشعب ينبض في لغته، وروحه تكمن في لغة الآباء والأجداد». والتاريخ الألماني يجسد لنا أبرع ، وأروع صور احترام اللغة القومية في قول «بسمارك» عندما سئل عن أفظع الأحداث التي حدثت في القرن الثامن عشر أجاب: «إن المستعمرات الألمانية في شمال أميركا اتخذت اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها». يقصد الجاليات ألمانية في شمال أميركا، وعند حصول هذه المستعمرات على استقلالها واتخذها اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها.
وقديما قال سقراط لجليسه: «تكلم حتى أراك» أما اليوم فالشعار هو: تحاور عن بعد حتى يراك الآخرون وتراهم، ومن ثم ترى ذاتك أنت وهي بعيدة عنك أو لصيقة القرب منك، في عصر بات فيه سؤال الهوية: من أنا؟ ومن نحن؟ مطروحا بشدة على أوسع نطاق ومن هنا كانت اللغة الأم هي هوية المرء وهوية الأمة التي ينتسب إليها في الوقت نفسه، إنها رمز لكيانه وثقافته ودالة على المستوى الحضاري الذي بلغته أمته، وإنها القلعة الحصينة للذود عن الهوية والوحدة القومية .
وإنه لكي نتواصل مع العالم بقوة ينبغي أن نكون مدركين للغتنا بشكل جيد وثقافتنا .
فاللغة العربية مكانة في نقل شتى العلوم الطبية والهندسية والفلكية إلى جميع أنحاء العالم ،عن طريق العديد من العلماء المسلمين القدامى ، نحو : عمار بن علي الموصلي، وابن النفيس. وظهور الآلات الجراحية كما في كتاب "عمل اليد" للزهراوي، وكتاب "المرشد في الكحل" للغافقي.
فقد احتلت اللغة العربية مكانة مرموقة في حياة الأتراك منذ دخول الإسلام إلى تركيا في عهد القراخانيين (932- 1212م) وكانت لغة التعليم الأولى، ولكنها في ظل قيام الجمهورية التركية التي جعلت اللغة التركية عنصرًا أساسيًا من عناصر القومية التركية. رغم الدور الذي تقوم به الوقفيات التركية في الحفاظ على تعليم اللغة العربية في تركيا ، لأنها دولة إسلامية يمثل عدد المسلمين بها 99% من إجمالي عدد السكان .
فعدم تدريس اللغة العربية للطفل في باكورة حياته يجعله مشوش العقل والوجدان لا هو قادر على التعامل مع مجتمعه ولا هو قادر على التعبير عن ذاته." فهي محاولة للوقوف على قيمة المعرفة وجدوى الثقافة " ([19]).
وقد درس علماء العربية المبادئ الأساسية في تعليم الصيغ، وأهمها أربعة: مبدأ الاقتصاد اللغوي، ومبدأ تعليل اللفظ، ومبدأ الأصالة والفرعية، ومبدأ شمولية التكاثر بالاشتقاق والنحت دون سائر اللغات.
اللغة قدر الإنسان، ولغة الإنسان هي عالمه، فهي ولاء وانتماء، وثقافة وهوية. وهكذا بدأ د. علي أحمد مدكور ورقته: " اللغة العربية وتعريب العلوم: العلاقة والتأثير المتبادل" وأكد على أن لتعريب العلوم مقاصد كثيرة منها ما يتصل بالتنمية الإنسانية الشاملة للأمة، ومنها ما يتصل بالأمن الثقافي والاقتصادي..الخ. وأكد على أننا بحاجة لإثارة وعي السياسيين في الوطن العربي بخطورة المشكلة اللغوية، فنحن في زمن اللحاق أو الانسحاق.
أن تدريس العلوم باللغة العربية عنصر جوهري لمنظومة التنمية البشرية، وخطوة أساسية لتأصيل العلم والأسلوب العلمي لدى أفراد الأمة.
الحضارة والثقافة :
وأما الحضارة فهي من الحاضر ضد البادي، والحضارة ضد البادية وهي المدن والقرى والريف والبادية، كذا ذكر صاحب مختار الصحاح، هذا اشتقاقها من حيث اللغة، وأما تعريفها كمصطلح فقد عرفها مالك بن نبي بأنها كل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية، تمثل جميعها أشكالاً مختلفة للمساعدة التي يريد، ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه. فتبين بذلك أن مفهوم الحضارة عنده شديد الارتباط بحركة المجتمع، وأن الثقافة تمثل جزءاً من الحضارة، فالحضارة على هذا أشمل جهة من حيث المعنى من الثقافة. " أعتقد أن العروبة شعور وإحساس وآمال وانتماء وطني ولغة عربية ودين إسلامي وإقليم وطني، ونحن هم الذين يتمثلون تلك الأوصاف. إذن هذه هي هويتنا ولا يمكن الانطلاق إلا بعد رسوها الكامل على شاطئ الأمان والاستقرار" .
ودخلنا إلى حدود الدول الأوروبية الأخرى، يظهر لنا أن اللغة التي تكون أساس اللغة القومية هي اللغة المحلية، وليس مهماً أن ينطق بها أقلية ، لكن بشرط أن تكون لتلك الأقلية سلطة سياسية مستقلة. ومثال على ذلك تعد اللغة القومية الفرنسية هي اللغة الأساسية لشعب فرنسا، كان (50%) منن أصل الفرنسيين في سنة (1789) لايتحدثون بتلك اللغة، وإن نسبة المتحدثين بها بصورة صحيحة لا يتجاوز (12-13%) ولكن اللغة الفرنسية كانت لها دولة استطاعت على الأقل أن تجعلها أو تعدها (لغة قومية). وكان الأساس الرئيسي لوحدة إيطاليا هي اللغة الإيطالية، التي أصبحت سبباً لتوحيد ثقافة أشباه جزرها بقراءها وكتابها، وتشير الإحصائيات إنه عند توحيد إيطاليا في سنة (1860) كان نسبة (2,5)% من سكان إيطاليا تستخدم اللغة الإيطالية في حياتها اليومية. كذلك كانت لإيطاليا هدف توحيد ساكني تلك الدول التي تتكلم باللغة الإيطالية. كما أن استقلال بولونيا ووحدتهم كان على أساس (جميع أولئك الذين يتحدثون باللغة البولونية ومن قومية واحدة)، كذلك أم ظهور الدول الأوروبية الأخرى في الربع الثاني من القرن التاسع عشر كاليونان وبلغاريا ورومانيا والبانيا يوغسلافيا وهنغاريا والجيك والسلوفاك... كان على أساس اللغة، فكل دولة من تلك الدول لها لغة خاصة بها تميزها عن الأخرى. كما أن فناء أو عدم بقاء السلطة العثمانية والإمبراطورية النمساوية أيضاً لها سبب في اختلاف لغات تلك الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرتها، لذلك فإن تلك الشعوب جميعها التي لم تتكلم اللغة التركية كانت بعيدة عن السلطة العثمانية، وفي الوقت نفسه تلك الشعوب التي لم تتكلم اللغة الألمانية فهي كانت بعيدة أيضاً عن الإمبراطورية النمساوية. لذلك يقول البعض أن الأحداث التاريخية جميعها لها أساس نظري وهو أن (اللغة هي أساس القومية) ويقولون أيضاً أن تلك الأحداث التاريخية جميعها تثبت تلك المشاكل التي ظهرت نتيجة اختلاف اللغة وأصبحت سبباً أيضاً في بناء الدول من جديد وتحديد حدودها حسب لغة سكنيها. فضلاً عن تلك الدلائل التاريخية على نظرية (اللغة أساس القومية) إلا أن النقاد يستندون إلى الأحداث التاريخية والسياسية لتثبيت أفكارهم، كما يسألون ويقولون: إن كانت اللغة هي عامل رئيسي للقومية فيطرح السؤال التالي، وهو لماذا لم تكن للغة دور رئيسي قبل القرن التاسع عشر؟ كذلك يسألون ويقولون: إن شعب بلجيكا يتحدثون بلغتين مختلفتين وشعب سويسرا يتحدثون بلغات أربع مختلفة أيضاً، وبالرغم من انفصال الولايات الأميركية المتحدة عن بريطانيا، إلا أن لغتهم هي الإنكليزية. وإن الكوريتين الشمالية والجنوبية تتحدثان بلغة واحدة، ومع ذلك تعدان دولتان مستقلتان. كما أن الدول العربية بصورة عامة يتحدثون باللغة العربية، ومع ذلك فإنهم منقسمون إلى أقسام عدة([20])
اللغة العربية عند غير العرب::
فاللغة ذات صلة وطيدة بالمجتمع الذي تمارس فيه أدوارها ووظائفها , فكان غير العربي يعرف المجتمع العربي وما فيه من خلال دراسته للإنتاج الأدبي العربي كما عرف الناس جميعاً المجتمع المصري من خلال قصص نجيب محفوظ ، ويحيي حقي وعبد القدوس وغيرهم ، أما العرب المحدَثون ، فمن الواضح أن السليقة تخونهم في نواحي كثيرة من الاستعمالات اللغوية والجوانب المنطقية المتعلقة باللغة العربية، وبخاصة فيما يتعلق بالمترجم منها ، رغم أنهم كثيراً ما يهللون لكل أجنبي يتفوه بكلمات عربية ، وكأن تعلم اللغات أضحى شيئاً غريباً عجيباً على الناطقين بالضاد وإتقانُ أجنبي للعربية معجزةً من معجزات العصر ، تفتر لها ثغور العرب ، لاسيما الإعلاميون منهم، ويسيل لعابهم لرؤية شابة أو شاب يتحدث اللغة العربية بشيء من التمكن والبراعة والطلاقة. وربما يحتاج هذا الأمر إلى شاهد عِيان ، ولا شك أن التجديد والتغيير سنة الحياة وظاهرة صحية في اللغة. فإن سيميائيات التواصل ترى أن وظيفة اللغة الأساس تكمن في تمكين الناطقين بها من الاتصال والتفاهم . ([21])
الإنسان وحب المعرفة:
اللغة هي وسيلة اتصال بين البشر على اختلاف مأرب هذا الاتصال فهي اجتماعية الأصل والفروع وهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم واللغة طريقة إنسانية ومتعلمة لإيصال الأفكار والانفعالات والرغبات . ويقول هيد جر اللغة منزل الكائن البشري ([22]) تشكل المعرفة هم الإنسان الأول للتعرف على ما حوله ، ومن حوله ، والسعي الدائم المتواصل للحصول عليها في سبل التكيف مع متطلبات الحياة . اتبع ذلك دخول العالم العصر الجديد لانتقال المعلومات متمثلا في الانترنت ، الذي دخل البيوت والمكاتب وكل مرافق الحياة ، وكان الأسرع على الإطلاق في الانتشار والوصول إلى كل مرافق الحياة . لقد شهدت البشرية نقلة نوعية مع دخول الانترنت . وأصبح الانترنت ناقل معلوماتي من الدرجة الأولى ، بالإضافة إلى استخداماته الأخرى . والكثير من مستخدمي الانترنت في الوطن العربي الآن دون المستوى المطلوب للتعليم ، ولهذا من الصعوبة جدا التواصل مع التطورات في عالم الانترنت . مع غياب الرقيب العربي ، وعدم وجود رقيب عربي على مواقع الانترنت عموما . مع عدم امتلاك المستخدم للغة إنجليزية مما يحرمه الحصول على المعلومة الصحيحة . حاول الاستعمار منذ بداية القرن العشرين تجزئة الأمة العربية وتفتيتها إلى دويلات لكي يضمن لنفسه البقاء جاثما على خيراتها.
قد أصيب المجتمع العربي الإسلامي بحالة من الانحطاط والإنهاك العام ، وقد كان كياناً موحّداً، فمزّقته الأنانية السيادية تحت عباءة نظام الجمهوريات الملكية ، فجعلتها تهمل البناء الحضاريّ والعلميّ والثقافيّ حتى وصل الأمر إلى مرحلة التخلّف والفقر والأميّة ، فعزل المسلمون عن لغتهم العربيّة، وعن مرجعيّتهم الفكريّة (القرآن والسنة) ، كما أنها أنهكت قوى المجتمع الإسلامي البشرية والماديّة، وامتصتها لصالح الجيوش والحروب ، دون أن تشعر بأدنى مسؤوليّة تجاه مواطنيها؛ فأهملت الأمن، والعدل، والعلم، والثقافة، والمرافق، والخدمات وتركتهم تحت مطرقة الظلم الاستعباد ، وعاد نظام الالتزام، والاحتكار وأصبحت طبقة الشرفاء الأصليين البقرة الحلوب التي تدرّ لهم (الجنود والمال والإنتاج) التي تغذّي طبقة النبلاء المتسلقين ، ومنافقيهم ، فجنت على المجتمع الإسلامي ، فشاخت أفكارنا، ومرضت قلوبنا ، وأمرضت معها المجتمع الإسلاميّ بكامله ، وجعلتنا لقمة سائغة أمام الاستعمار الأوروبيّ، الذي كان ولا زال يتربّص بنا الدوائر، وينتظر لحظات انهيارنا.
نحن أمام احتلال صليبي جديد تظهر طلائعه الثقافيّة التي تسبق جيوشه لتعهد إلى احتلال الأوطان والأدمغة معاً. وتتعرض الأجيال المسلمة من الدخل وفي الداخل لعمليّة استلاب فكريّ وثقافيّ هائل، فأوشكت معارفها النظريّة غربيّة في قالب وإطار غربيّين! شاملة الفكر، والمنهج، والمصدر، وأصبحت الشخصيّة العربية الإسلامية مائعة الملامح ، فهذا هو مبتغى طلائع الاستعمار ، الذي فشل عسكرياً ، ويحاول فكرياً ، وكل مقاصده الحصون الفكريّة والثقافيّة الإسلاميّة المتبقّية لدى هذه الأمة ؛ كي تتهاوى واحدًا تلو الآخر . وتكيفه بشكل يتمشى مع العقل الغربيّ في بيئاته وخصوصيّاته وأمراضه ، فأصابتنا حالة من الانفصام النّكد، وأصبحنا نفكّر ونحلّل بطريقة غربيّة، ونسينا الحكمة العربية ، ونسينا مرجعيّتها، ولهثنا خلف فلسفة غيرنا ، وأخذنا بمرجعيّتهم.
الفصل الثالث
الدولة والقومية
صور لتعدد القوميات في العالم
ودور اللغة في تحديد القومية
صور من آراء بعض المفكرين حول القضية
اللغة العربية تتعرض للاحتلال
المبادرة الأمريكية لتعليم اللغة وتعليم اللغات الحرجة:
إن لغات العالم جميعها وبمرور الأيام طرأت عليها تغيرات مما أدى لتقدمها ، ولكن تلك التغيرات لم تظهر بصورة طبيعية ، إنما ظهرت بصورة رئيسة نتيجة التطور التكنولوجي، خاصة بعد ظهور الطباعة، فضلاً عن ذلك يجب أن لا ننسى تأثير ودور النقاد والمصححين اللغويين في مجال تطور اللغة. وبذلك كان للأدباء والكتاب مع تكنولوجية العصر دور كبير في حفظ وتطور اللغة. وإن في تلك العصور التي كانت فيها الحياة الاجتماعية والسياسية بسيطة، قد تحددت العلاقة بين الفرد والحكام. لذلك لم يكن اختلاف لغة الحاكم مع لغة المواطنين سبباً في حدوث مشاكل كثيرة ولكن مع تعقد الحياة الاجتماعية وظهور حكام مختلفين ومتنوعين أدى إلى تعقد العلاقة مابين المواطن ورجال الدولة.
الدولة والقومية :
ثمة فرق كبير بين الدولة والقومية ، فالدولة ذلك الإطار أو البرواز – إن صح التعبير – المكاني الذي يقطنه مجموعة من البشر ربما يربط بينهم رابط من الروابط الإنسانية ، وشعور واحد بين الجميع ، وربما لا يتوفر الرابط الذي يربط . أما القومية فهو رابط أكيد وعام وكبير يشمل مجموعة لا يربطها المكان فحسب ؛ ولكن تربط بينها روابط عديدة منها اللغة . هذا هو الفرق الرئيس بين الدولة والقومية ، نحو :
القومية الروسية :
"وتختلف اللهجات التي يتكلم بها الكرد في الاتحاد السوڤييتي من حيث الاستعارات اللفظية واللغوية ، فمن الناحية اللفظية هناك حروف إضافية في لهجات الكرد بأرمينيا وجورجيا وهي الحروف التي تلفظ مع خروج الهواء Aspiration وقد استعيرت هذه الحروف من اللغتين الأرمينية والجورجية ، بينما تتميز لهجة الكرد في أذربيجان وتركمستان باختلاف لفظ حروف العلة واستعارتها من اللغتين الأردية والتركمانية وهي لغات تركية ، الشيء الغير موجود بصورة ظاهرة لدى الكرد في كردستان تركيا نفسها . أما من الناحية اللغوية فالقاسم المشترك الأكبر بين جميع اللكنات الكردية هو الاستعارة من اللغتين العربية والفارسية ومن اللغة التركية بنسبة أقل كثيرا ، وتختلف باقي الاستعارات باختلاف الأماكن ففي كردستان تركيا توجد استعارات كثيرة من اللغتين الفرنسية والألمانية ، بينما في الاتحاد السوڤييتي أضيفت مفردات روسية عديدة إلى لغة الكرد هناك مع استعارات قليلة من اللغات الأخرى في البلاد ". ([23])
الصين :
ففي الصين عندما عقدت في بكين الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، ومن بين أكثر من 2000 نائب شارك من أبناء الأقليات القومية. فشكلوا خصائص قومية. بأزيائهم ولغاتهم وثقافاتهم مختلفة ، محافظين على لغتها القومية بصورة جيدة ، ولكن رغم ذلك ومما يزيد الصينيون حزناً وأسى أن مجموعة من اللغات القومية القديمة في الصين تنقرض كل سنة أو سنتين ، ومما يجدر بالذكر في هذا المقام أن هناك عدداً كبيراً من اللغات والقوميات المنتشرة في الصين تصل إلى أكثر من مائة وعشرين لغة قومية ؛ ولكنها أقلية .
بلجيكا:
بلجيكا ليست (قومية) ولكنها (دولة) وهذه الدولة تتكون من قوميتين (فالون، فلامان) حيث هناك سلسلة طويلة من العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية ساعدتهم على العيش تحت ظل راية الدولة الواحدة.
سويسرا:
لا تعد سويسرا أيضاً (قومية) ولكنها (دولة) تتكون من (قوميات) عدة يعيشون تحت راية ونظام مشترك.
الولايات المتحدة الأمريكية :
وكما تتوفر عومل متعددة تقوي العلاقات بين الدول وتجتمع حول قومية ما ، فهناك ثمة عوامل تساعد في الفرقة رغم وجود عوامل مشتركة ، نحو العلاقة وثيقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من ناحية اللغة إذ أن لغتها الرسمية هي اللغة الإنكليزية. ورغم ذلك فإنهما غير متوحدان بسبب عوامل عدة، منها:
- إن الولايات المتحدة الأمريكية قد انفصلت عن بريطانيا عام 1776م.
- تم ذلك الانفصال بسبب المحيط الأطلسي الكبير.
- لم تكن اللغة الإنكليزية لغة البيت في أميركا، ولكنها أصبحت كذلك ، فضلاً لعوامل تاريخية وجغرافية واجتماعية كانت لها دور مؤثر في انفصال أميركا عن بريطانيا عام 1776م.
السودان :( إنشاء قانون التخطيط اللغوي)
إن تطورا هائلا قد حدث في مجال مناهج البحث في كل العلوم الإنسانية وآلية الخطاب المعرفي في سياقه التاريخي والاجتماعي ، من بين كل المعارف الإنسانية علوم اللسان والدراسات المتعددة حول اللغة ودورها في المجتمع وربط ذلك بالهوية والقومية وربطها بالحقوق الثقافية .إن التعدد اللساني بثرائه وتنوعه واختلاف اللساني الذي تميز به السودان دون سائر الدول العربية والإفريقية فتح المجال لتعدد الدراسات والبحوث اللغات الموجودة في السودان بمستوياتها المختلفة، من صوتية ودلالية . ففي عام 1997 صدر قانون «قومي» للتخطيط اللغوي وأجيز في حينه والذي أوصى بأن يشكل مجلس قومي للتخطيط اللغوي ، وللنظر في الوضع اللساني في السودان، الذي حدد مجموعة من الأهداف من أولها «السياسة اللغوية ومن ثم نشر اللغة العربية والارتقاء بها بوصفها لغة التخاطب القومي ووسيلة التنمية الاقتصادية» مادة «4» فقرة «أ».ويهدف إلى دراسة واقع اللغات السودانية من حيث كثافة المتحدثين بها وانتشارها واستخدامها في أغراض الحياة المختلفة» مادة 9 فقرة «أ».ومما يظهر التعدد اللهجي العربي في السودان في لغة للتواصل اليومي كلهجة الخرطوم العربية . فكان لزاما علينا من الاستفادة من إحياء تراثنا القومي ووضع برامج للتخطيط اللغوي القومي والسياسة اللغوية. ([24])
القومية العربية :
اللغة وسيلة لتداول الأفكار ، والتفكير في المستقبل واستشرافه ، ولا يمكن أن نتفاهم وكلانا من لغات مختلفة ، واللغة أساس القومية ، ولكن العلاقات الجغرافية والمصالح السياسية والتجارية تساعد على جمع الناس وتأسيس الدولة.
" أن اللغة هي وعاء الفكر " وهي مقولة مشهورة، نجد لها أصل في تراثنا العربي. وكذلك تعريف اللغة: كل لفظ وضع لمعنى، وأنها عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، وأنها لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره؛ فهي إذن كلام مصطلح عليه بين كل قوم، وهي طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال.
أزمة اللغة العربية اليوم واقعة بما هي مبرمجة للاغتيال، ضمن مشروع استعماري تدميري كلي لهوية الأمة، في إطار الاستعمار العولمي الجديد للعالم. لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم الشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري، ومن أخطر أسلحة الاحتواء الاستراتيجي لثقافات الشعوب وتمييعها؛ لإخراجها عن طبيعتها وصبغتها؛ ولولا ذلك لما كانت الفرانكفونية اليوم تجري في تنافس محموم مع الأنجلو سكسونية؛ لاحتلال مواقع التأثير الثقافي في العالم.
القومية العربية واقع حي متواجد وموجود ، ولابد أن يحترم ، والوحدة بين أطراف هذه القومية حلم يراود أبناءها – أفلحوا في ذلك أم لم يفلحوا – وسيظل هذا الحلم عالقاً في الأذهان ؛ بل مطلب حتمي وضروري خلقته الظروف الكبرى التي تخرج عن نطاق الذاتية وتسمو إلى ما هو أسمى ، رغم وجود عوامل عدة صراعات أصبحت عائقاً أمام توحد الدول العربية بالرغم من وحدة لغتهم. فالأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان؛ فما الكلام إلا فعل من الأفعال التي تترجم عن الإنسان ويختبئ دونها، وهي تحمل سيماه سِيما يعرفها الناظر، ويلمسها البصير بالكلام واحدة واحدة. إن القرآن الكريم مثلاً مطبوع بطابع الربوبية، والحديث الشريف مختوم بخاتم النبوة، وكل منها يمتاز بعلامات يلحظها كل من ألقى سمعه، ومدّ بصره وهو شهيد، وكل كلام دونهما يحمل أيضاً بصمات قائله؛ إذ المرء بأصغريْه، والرجل هو الأسلوب؛ على أن اللغة فكر. ويمتاز اللسان العربي بأن من امتلكه يتلقى عن الله مباشرة؛ إذ يشرب من معين القرآن إذا قرأه، وإنما جاءنا القرآن بلسان عربي مبين.
لا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، متزامنة مع المشروع الكلي، وخادمة له، سواء من ذلك ما تعلق بتأصيل الفهم والتلقي للخطاب اللغوي من الوحي خصوصاً، والتراث العلمي الإسلامي عموماً، أو ما تعلق بالبلاغ والتواصل التعبيري المرتبط بالمفاهيم المكوِّنة لهوية الأمة على الإجمال. وأن قضية النهوض الحضاري هي مشروع شمولي كلي؛ فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان .
صور من آراء بعض المفكرين حول القضية
يقول الأستاذ فهمي هويدي : "
يقول الأستاذ فهمي هويدي : " ليست مشكلة لغة, وإنما هي أزمة أمة. ومن المهم للغاية أن يدرك الذين يناقشون منذ أسابيع قضية تدهور اللغة العربية أن ما أصابها هو عرض لمرض يتعين تشخيصه بدقة والإعلان عنه. ولست أجد في التشخيص أبلغ مما عبر عنه ابن حزم في كتابة الأحكام من أن: اللغة يسقط أكثرها بسقوط همة أهلها.
ويقول أيضاً : إن اللغة أيها السادة ليست مجرد رطانة تلوكها ألسنة الشعوب ، ولكنها من تجليات الانتماء والهوية. لذلك فقد صدق من قال انه لن تكون هناك وحدة وطنية بدون لغة وطنية.
وينهي هويدي كلامه بقوله : وإذا صح هذا الذي نقوله فإنه يردنا إلي النقطة التي أثرناها في بداية الكلام ، وهي أن أزمة اللغة هي عرض لمرض أكبر ، أصاب في الصميم همة الأمة وكبرياءها الوطنية والحضارية ، وداء بهذه الخطورة يتطلب تفكيرا في الأزمة من نوع آخر, ومعالجات جذرية علي جبهات عدة ـ والله أعلم".([25])
السفير الفرنسي باتريس باولي:
يقول السفير الفرنسي باتريس باولي ملبياً دعوة وزارة الثقافة الإماراتية له : مفهوم الهوية الوطنية هو السبب الكامن وراء طرح التساؤلات المصيرية ونتائج الاستفتاء الفرنسي والهولندي الرافضة لإقرار الدستور الأوروبي ، وأكد أن اللغة في قلب كل منا ، أن مسألة الهوية الوطنية في فرنسا قوية لوجود عناصر تسمح بتعريف هذه الهوية لا من الناحية العنصرية كون فرنسا تحفل بالكثيرين من المهاجرين من مختلف شعوب ودول العالم ، ولا في المستويين العرقي أو الديني كون الدستور يبيح ممارسة الدين والتعبير عنه لأبناء مختلف الأديان والطوائف من الفرنسيين ، واعتبر السفير الفرنسي أن حق اكتساب الجنسية الفرنسية والهوية الفرنسية ..حق مزيج من حق الدم فكل مولود من أهل فرنسيين هو فرنسي.. كما نصبح فرنسيين بالولادة على أرض فرنسا ضمن شروط معينة.. كاشفا عن منح الجنسية الفرنسية لأكثر من خمسين ألف فرد سنويا مشيرا إلي أننا اليوم نعلم ما هي فرنسا.. لكننا لا نعرف ما الذي يجعلنا فرنسيين ..وربما هو علاوة على حيازة المرء جوازا فرنسيا واحترامه لبعض القيم والمبادئ والقوانين.. هو التحدث باللغة الفرنسية لأن الفرنسيين يجمعهم ..انتماؤهم إلى ثقافة واحدة ، أنه لا يجب أن ينظر إلى التمسك باللغة الوطنية كرادع للانفتاح على الآخرين معتبرا أن الدفاع عن اللغة دفاع عن حق كل منا بالتحدث بلغته والتعبير بها.. وهذا المبدأ ينطبق على اللغات الأخرى عبر احترام التنوع اللغوي الذي تطالب به فرنسا في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية ، وأضاف أننا نرى أن هوية كل منا أمر أساس يجب احترامه عبر احترام حق المرء بالتعبير بلغته مع التأكيد على ضرورة احترام الآخر لاسيما في ظل التوتر في العلاقات الدولية والعلاقات بين الحضارات والثقافات في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.. ومن المهم أن نشجع الحوار بين الشعوب لأن احترام الآخر لا يكون إلا من خلال احترام ثقافته ولغته. ([26]) وأنه حتى في وجود اللغة العربية كلغة ثالثة بين اللغات المستخدمة في الدولة فهي أمام تحديات ومزاحمات تأتي من وجود اللغة الإنكليزية كموازية لها في الاستعمال معتبرا أن الأمر نفسه يحدث على المستوى المدرسي والتعليم في المدرسة والجامعة إلى جانب المشكلة الكبرى المتمثلة في استعمال اللهجات العامية حتى في الصف المدرسي. وأضاف " أن البعض يقول.. أن لا خوف على اللغة العربية المحفوظة بأمر إلهي في القرآن الكريم ..وكي لا أكون متشائما لأضع اللغة العربية في درجة متأخرة إنما في الدرجة الثالثة.. ذلك أن اللغة الإنكليزية تشكل حلقة الاتصال والتواصل والرابط المتبادل بين الأفراد في جميع البلدان تقريبا.. ونحن لا نخشى على اللغة.. إنما نخشى على الفكر .. فإذا كان لا يوجد في الفكر والثقافة ما يفرق به المرء الذي لا ينتمي إلى مجتمعه بين الصواب والخطأ فإن مشكلة اللغة حينها تؤثر في الهوية الوطنية وسلامة قيمها ومكوناتها.
آرنت" المفكر الألماني :
عندما نري "آرنت" المفكر الألماني المعروف كان يحدد الوطن الألماني بحدود اللغة الألمانية فيقول في إحدى قصائده: "الوطن الألماني كل البلاد التي يرتفع فيها إلى السماء الحمد لله باللغة الألمانية..." فبمقدار اكتساب اللغة القومية لألسنة جديدة بمقدار ما تكتسب الدولة أراضي جديدة، ونفوذا جديدا، وأموالا جديدة.
الوزاني: ([27])
يقول الوزاني إن اللغة هويةٌ وانتماءٌ روحي، وارتباط معنوي، وعامل جوهري قوي لغرس محبة الأمة والتعلق بماضيها وحاضرها وحضارتها. وتدني مستوى التعليم عموماً وتعليم اللغة العربية خصوصاً كان لأسباب عديدة منها:
- برامج التعليم العقيمة التي تتغير باستمرار تغيراً معاكساً لما يمكن أن يرفع من قدرها؛ إذ يقوم بهذا التغيير رجال بيروقراطيون بعيدون عن المهنة، وممن يتلقون إملاءات من منظمات أجنبية، وهيئات داخلية متحيزة عوض أن تأتي الإصلاحات من الذين يمارسون عملهم في ميدان التعليم، والذين يلمسون الخلل مباشرة.
- إحلال لغة المستعمِر محل اللغة الوطنية أو معها؛ لتزاحمها، وتُبعد الأنظار عنها عن طريق الإغراء بمساعدات وحسن العلاقات، أو عن طريق الترهيب بمنع الإعانات، وحتى بتهديد النظام.
ـ ازدواجية التعليم في سن مبكرة.
ـ انتشار اللهجات وتشجيعها، واستعمالها من قِبَل السلطـات الرسميـة؛ خـذ مثـلاً «ما تقيـش بلادي!» بمعنـى: (لا تُؤذِ بلادي!) ذلك الشعار المكتوب في الإعلانات العريضة الموجهة إلى الشعب في كل مكان. إن مرور جميع مكونات التربية والتعليم عبر قناة اللغة العربية يقوي المعارف، ويوسع الفكر من جهة، ويرسخ القيم الروحية والتمسك بالمبادئ الخلقية من جهة أخرى، إذا أخلص المربون، وكانوا قدوة صالحة للمتعلم، ومحايدين لا ينتمون إلى أي تيار معادٍ، أو بلد محتل، أو أي توجيه مستورد؛ وإلا كانت التربية وبالاً، وجاءت بعكس ما ينتظر منها.
د. الدكير: ([28])
أحسب أن التدني في التعبير بالعربية فرع عن تدني روح التدين لدى العرب والأعراب والمستعربين؛ فالقلة القليلة سَمَتْ، والكثرة الكاثرة تخلت عن المقولات ـ على تفاوت ـ بما كسبت الأيدي في أزمنة التردي؛ حتى صار التباهي بالتحلي بِلُغَيَّاتِ العجم ظناً ـ بغير علم ـ أنها عنوان المدنية ومفتاح الحضارة، وأنها السبيل لاستلام المناصب العالية في الدولة، وكذلك دولياً. ولا شك أن انصراف القوم إلى التوافه والمبالغة فيها بقوة صرفهم عن المطالعة والقراءة؛ فاستخفت الهمم؛ فرضيت بالذي هو أدنى، ورغبت عن حفظ النصوص الأدبية الرفيعة، أياً كانت: قرآنية أم حديثية، شعرية أم نثرية، خطباً أم أمثالاً؛ فإن قلباً لم يمتلئ بالنصوص القوية يهوي بلسان صاحبه إلى هاوية العَيِّ والعجمة والرطانة؛ لأن اللغة مَلَكة بالفطرة، ويصار إليها أيضاً بكثرة الممارسة والمزاولة. وقديماً نصح العلماء الأمراء بأخذ اللغة من أهلها، وحفظها من أفواههم بالرحلة إليهم، والإقامة معهم في بواديهم، أو استقدامهم وملازمتهم. إن العزوف عن المطالعة من أسبابه عدم قَدْرِهَا حقَّ قدرها، وتوهم أن الوسائل السمعية البصرية تغني كل الغَناء؛ وذلك غلط وخطأ يجب التراجع عنه؛ ببيان أن هذه الأجهزة العصرية تجعل وسائل التعقل عند الإنسان جهازاً واحداً، اختزلت فأضلت وأجحفت. فإن حق السمع والبصر التكامل والتداخل، لا الغلبة والطغيان. وكأني بهذه الأجهزة تلبي حاجة واحدة تشفي، لكن لا تجدي؛ لأنها تقصي سائر الملكات العقلية والقلبية؛ علماً أن من بني آدم من جعلت قوته في سمعه، ومنهم من رزقها في بصره، ومنهم من كانت وديعة في عقله وقلبه. ويغلب على الظن أن الوسطية علاج؛ فالتوازن أساس كل سير قويم، فلا ينبغي أن تطغـى حاســة علـى أخــرى، فــلا إفــراط ولا تفريط؛ إذ كانت الحواس تسعى وتتكامل لحفظ سلامة الجسم والعقل، وكل تعمل على شاكلتها. والاختصار اقتصار مخل، يجعل الإنسان قليل التبين والبيان قلما يميز بين الحقائق والألوان.
ولقد امتاز الإنسان بالبيان، وأعلى درجاته اللسان؛ ذلك أن العبارة فاقت الإشارة، وإن كانت الإشارة من الفروع البيانية، فإنما يُلتجَأ إليها عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، حسب ظرف الزمان والمكان وطبيعة الإنسان. إضافة إلى ما ذُكِر من مشكلة العزوف عن القراءة والمطالعة هل من سبيل أو وسائل مفيدة لعلاج الجيل من هذه الآفة؟ وكيف يمكن اكتساب هذه المهارة وإكسابها؟ تعتبر اللغة من أهم مقومات وأسس المجتمع؛ إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع بدون لغة، وهي أهم وسيلة يستخدمها الإنسان إلى حد الساعة للتعبير عن الثقافة، وبلورتها وتحليلها وتفسيرها؛ فبين اللغة والثقافة علاقة ترابط قوية، أولاً لكون الأولى تعبر عن الثانية وتسجلها، ولكون الثانية مادة الأولى وإنتاجها. وما من أحد يشك في العلاقة الجدلية القائمة بين اللغة والنشاط الإنساني داخل مجتمع معين. وبتعبير آخر: فإن الثقافة هي عالم الشخص، وحدودها هي حدود عالمه، وهي التي تشكل رؤيته وتفسر سلوكه. واللغة تبعاً لذلك ليست فقط وعاء لفكره، أو وسيلة لتواصله داخل وسطه الاجتماعي؛ بل علاوة على ذلك هي أداة تسجل ثقافة هذا الشخص وحضارته، وبها يتم الأداء الاجتماعي العام. إنها ذاكرة الحياة ومرآة تجارب الإنسان فيها. وأما إقامة التواصل فهو ما يقتضي تفاعلاً بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين المؤسسات الدستورية والقانونية. وإذا كان التواصل يجري عبر أشكال متعددة فإن اللغة الطبيعية هي أشيع الوسائط، وبها ندرك المجتمع والعالم. وبناء على ما تقدم فإن التواصل بين الناس من الثوابت في المجتمع الإسلامي العربي، وهو قائم على أشيع الوسائط المختارة لديه، وهي اللغة العربية؛ لكونها الأكثر تداولاً وتأثيراً، والأقوى فاعلية؛ خاصة عندما نربطها بثوابت الوحدة والدين والدستور والقانون؛ إذ يقوم التواصل بين الناس في هذه الثوابت كلها عبر وسيط اللغة العربية.
د. اليوبي: ([29])
ويعرفها ابن خلدون بقوله: (اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم).
الأستاذ أحمد أمين: ([30])
قال: وكثيراً ما شغل ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحى ولاسيما من ناحية الإعراب، تحول دون انتشارها في جمهور الشعب، وخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم التعليم؛ فنحن لو أردنا تعميم التعليم بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن طويل، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما لم نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها؛ فطلبة المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي، وأربع سنين في الجامعة، ثم لا يحسن أحدهم الكتابة والقراءة، وكثيراً ما يُلْحِنون في الإعراب، ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها، وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية، ننفيها من حرافيش الكلمات ـ على حد تعبير ابن خلدون ـ وتلتزم في آخر الكلمات الوقف من غير إعراب، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات، ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحى إلا لغة المثقفين ثقافة عالية، من طلبة الجامعة وأشباههم، وإلا الذين يريدون الأدب القديم ويستفيدون منه. وبهذا نكسب اللغة العامية والفصحى معاً. فاللغة الفصحى الآن لا تتعدى كثيراً من استعمال الكلمات اليومي، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت، وفي المعاملات من طبيعته أن يُكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر وفي الأوساط الخاصة، ويُكسب اللغة العامية رقياً يقربها من الفصحى، وهو يمكِّننا من نشر الثقافة والتعليم لجمهور الناس في سرعة، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى اليوم!.
ومن أمثلة الاعتزاز باللغة القومية في العصر الحديث:
في قمة المجموعة الأوروبية الأخيرة وقف رجل الأعمال الفرنسي ايرنست انطوان سيلييه يلقي كلمة باسم رجال الأعمال الأوروبيين، وفوجئ الرئيس الفرنسي شيراك أن مواطنه إيرنست بدأ بإلقاء الكلمة باللغة الإنجليزية، لغة شكسبير، فقاطعه قائلا: لماذا لا تلقي كلمتك بلغتك الأم؟ فرد إيرنست “سألقي الكلمة باللغة الإنجليزية، لأنها لغة البزنس”، وغضب شيراك وغادر القاعة مع وزير ماليته تيري بريتون ووزير خارجيته فيليب دوست بلازي. وعندما سأله الصحافيون عن سبب الغضب والانسحاب قال: “لقد صدمت لرؤية فرنسي يعبر عن نفسه بغير اللغة الفرنسية، وقد انسحبت لكي لا أستمع إلى كلمة شخص لا يحترم لغته”. ولم يغادر شيراك مقعده، ولم ينسحب من الجلسة عندما ألقى جين كلود تريشيه، حاكم البنك المركزي الأوروبي، كلمته، فقد كان يتحدث بالفرنسية، رغم أن الحوار في اجتماعات البنك يجري باللغة الإنجليزية. وشيراك درس في الولايات المتحدة، وهو يجيد اللغة الإنجليزية كأحد أبنائها، ولكنه توقف عن استخدام هذه اللغة منذ انتهاء دراسته وعودته إلى فرنسا، وعندما التقى الرئيس بوش في السنة الماضية أصر على التحدث بالفرنسية معه، وكان يرافق الزعيمين، حتى على مائدة العشاء، مترجمان، الأول أمريكي ينقل كلام بوش إلى الفرنسية، والثاني فرنسي ينقل كلام شيراك إلى الإنجليزية. وفي الأمم المتحدة حيث الحوار باللغة الإنجليزية، تظاهر شيراك بأنه لم يفهم بعض الأسئلة التي وجهت إليه باللغة الإنجليزية، فقام توني بلير الذي يجيد الفرنسية كأحد أبنائها بالترجمة له.
وفي ألمانيا: قد تجد في الشارع من يحدثك بلغة غير ألمانية، ويرشدك إلى عنوان تبحث عنه، أو إلى مطعم لتناول وجبة غذائية، ولكنه قطعا سائح مثلك، إذ إن الألمان يرفضون بإباء التحدث بلغة غير لغتهم. والتمسك باللغة الأم مظهر أساسي من مظاهر احترام القومية والمواطنة، والتخلي عنه تفريط في ذلك، والله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ولو كان العالم بأسره قبيلة تتكلم لغة واحدة لكان مثيراً للضجر، واحترام اللغة الأم ليس شوفينية ولا غروراً قومياً، وإنما هو في مصلحة الثقافة العالمية والحوار بين الحضارات، إذ لا يمكن بناء العالم على لغة واحدة، وبالتالي على ثقافة واحدة. والذين يرون أن التحدث بلغة أجنبية مظهر حضاري، ويتباهون عندما يحيونك بكلمة “هاي” ويعربون عن اتفاقهم معك في الرأي بكلمة “أوكي” نقول لهم: إن الدول لا تترسخ وترتقي إلا بارتقاء لغتها.
اللغة العربية تتعرض للاحتلال:
ففي رسالة الماجستير التي تقدم بها مؤخراً الباحث حسين عبد العظيم محمود إلى (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية عن (الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم)، وحصل بموجبها على درجة الماجستير أكد الباحث أن إهمالنا للغة العربية أدى لكثير من المشاكل على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية. وإن اللغة العربية بمثابة القلب لا الروح من الأمة ، وتدهور الأوضاع الحالية للغة العربية ، بسبب ما تتعرض له من الاعتداء في عقر دارها من أعدائها والجاهلين من أبنائها، فمن يسر في الشارع العربي ، ويقرأ أسماء المنشآت التجارية والصناعية ، أو يدخل إحدى وزارات التعليم أو الإعلام أو الثقافة أو البترول أو السياحة أو المالية في كثير من الأقطار العربية يدرك تماماً أن اللغة العربية تعاني معاناة أهلها وأنها تتعرض لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال استيطاني ، والذي يدخل إحدى مدارس اللغات أو إحدى الكليات العملية في أغلب الأقطار العربية يدرك أن هذه الأقطار العربية قد صارت مجموعة من الأشكال اللغوية الأجنبية الناطقة بالعربية ، والتي لا تقل خطورتها عن العدو الصهيوني في فلسطين. وأوصت بإيصال مشكلة اللغة العربية إلى أعلى المستويات السياسية. لابد أن يشعل هذا الواقع المرير الغيرة الوطنية في نفوس المثقفين الوطنيين والقوميين العرب فليتجمعوا في جمعيات لغوية أهلية لتأخذ على عاتقها الدفاع عن مستقبل الأمة العربية عن طريق ترميم لغة الخطاب اليومي ودعم لغتنا الوطنية ؛ لأنه واجب ديني وطني قومي.([31])
اللغة القومية واللعبة السياسية
اللغة عنصر من عناصر ثقافة أي مجتمع ، وعن طريق استخداماتها يتكون القاسم المشترك بين أفراده في آلية التفكير ، ومستويات الفهم ، ودرجات التلقي ، وازدياد التواصل والتدوين ، وعن طريق اللغة ورموزها ودلالاتها ينشأ الكلام ويحدث التخاطب وتبادل الآراء وطرح الأفكار . ([32]) فقد فشل الاستعمار فشلاً ذريعاً وواضحاً في فرض سيطرته وهيمنته العسكرية من قبل باستعماره العديد من البلدان الضعيفة ، وعندما هبت الشعوب وانتفضت وضربت على يد المستعمر بفضل أبنائها الأوفياء المخلصين ، عندئذٍ أيقن المستعمر أنه لم يبق له طعما ، ولا رائحة وهنا أذعن لإرادة الشعوب وتركها لأهلها ، ولكنه عندما فكر في الرحيل فكر وقدر فخسر كيف قدر ، فاستمال من استمال من ذوي النفوس الضعيفة الذين استأجرهم لتخريب البلاد بالفكر وهنا لم تطل حياتهم حتى اكتشفهم المخلصون وخلصوا البلاد من براثنهم وقذارتهم . أما الآن فالعالم يعج بكل جديد في العلم والسياسة والاقتصاد ، ولم يعد المجال مجال سيطرة عسكرية بالإضافة لتغير موازين القوى في العالم ، وكان لابد من السيطرة الاقتصادية وللوصول لذلك الهدف المرجو ، وكان ولابد من السيطرة الفكرية والتبعية الفكرية والتبعية الاقتصادية وبالتالي ليتحقق هذا الهدف لابد من التبعية اللغوية أيضاً ، لنتحدث بلسان المستعمر ونأكل من طعامه ونرتدي ملابسه . ولذا لجأ المستعمر إلى اللغة لأنها تحمل كل ما يريد وأدرك المستعمر أن " أن اللغة القومية أو الوطنية تعزز الثقافة والهوية القومية ، وأي إهمال لها يعد تخريباً جذرياً للغة . وهو موضوع يهتم بالانتماء " ([33]) كي يستطيع الهيمنة الاقتصادية والثقافية ،وأيضاً لتحقيق هدف الاستعمار وهو القضاء على الدين الإسلامي .
وعندما نبحث عن موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني من قضايا أمته وشعبه وموطنه ، ومن قضايا الإنسان في العالم ؟ هل سيتفرج على ما يحدث من إهانة للإنسان العربي واستهانة بحقوقه وقيمه وحرياته وحياته ؟ أم سيقف في صفوف المدافعين عن القيم والأخلاق والحريات والحقوق وعن الإنسانية ؟ وموقفه من معنى المساواة أمام القانون ومن تطبيق تلك المساواة ، على الرغم من الاختلاف في الرأي والرؤية ؟ فحرية التعبير بكل مقاييس الدولة العصرية لا تمنح الفرد بصورة مطلقة ، وهذا عودة إلى التأكيد على أنه لا يوجد شيء مطلق في المجتمع الإنساني ، الذي يعيش في جماعة لابد أن يكون مقيداً ، لأن ضريبة الاجتماع التنازل عن جزء من الحق المطلق .فضلاً عن حق التعليم ، حق ممارسة السلطة ، ففي مرحلة التسييس (التقييد)كفلت القوانين والدساتير كلها حق الإنسان في ممارسة السلطة ، والتعبير السياسي في إطار دوامة الديمقراطية عبر أساليب متعددة الانتخاب أو التصويت ،أو التصعيد بما يتلاءم مع توجهات النظام السياسي السائد . ([34])
بينما ترى وجه نظر أخرى بأن هناك نزوعاً أمريكياً جارفاً لبسط استعمار ثقافي وتكنولوجياً "
المبادرة الأمريكية لتعليم اللغة وتعليم اللغات الحرجة:
مبادرة الأمن القومي اللغويةِ (إن إس إل آي) لزيَاْدَة عددِ الأمريكيين المتعلمين للغات عن طريق مكتب الشؤونِ التربويةِ والثقافيةِ الماليةِ حتى سنة 2008 ، ورصدت لهذا البرنامج ميزانية مالية قدرها 26.6$ مليون لدَعْم برامجِ لغةِ الأمن القومي الأوليةِ. ففي يناير/كانون الثاني 5, 2006، أعلنَ الرّئيس بوش هذه المبادرة لتَقْوِية الأمن القومي لتكون أكثر بعداً وازدهاراً في القرنِ الحادي والعشرونِ خلال برنامج تَعَلّم اللغةِ الاستراتيجيِ. بالإضافة إلى برنامج التعليم التربويِ العام ، والحاجة لإجادةِ اللغاتِ الحرجةِ ، هذا البرنامج سيَزِيدُ عددَ الأمريكيين المتعلمين للغات الحرجةِ الأجنبيةِ كالصينيةِ والعربيةِ، والروسية، والهندية ، والفارسية ، مِنْ روضةِ الأطفال إلى الجامعةِ وبالتنسيق مع شؤون القوة العاملةِ. وتأتي هذه المبادرة بالتنسّيق بين البيت الأبيضِ، ووزارة الخارجية ، وزارة التربية، وزارة الدفاع ومكتب مديرِ الاستخبارات الوطنيةِ. ([35])
الفصل الرابع
تنـــمية اللغـــــة القـومـــــية
- اللغة ناقلة وخالقة.
- اللغة القومية ووسائل الأعلام.
- العربية وأزمة الفكر.
-الازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها.
شغلنا عن التنمية اللغوية كثيراً بالتنمية الاقتصادية وغيرها، لدى المتكلمين والمستخدمين للغة، وأيضاً في إثراء معجمهم اللغوي الذي يتسع يوماً بعد يوم للجديد من أمور الحياة العامة وشؤونها المختلفة ، ويزيدون من مساحة الوعي والقدرة على المشاركة والانتماء ، التقريب بين اللهجات والمستويات اللغوية المختلفة، الأمر الذي يتطلب دراسة ميدانية تعكف على البحث في الواقع الميداني وتحليل ما يحدث فيه من تغير وتطور وإضافة.
اللغة ناقلة وخالقة :
أن اللغة في وسائل الاتصال ناقلة وخالقة. فهي ناقلة لصورة المجتمع اللغوي بكل ما يضطرب فيه من إيجابيات وسلبيات وبالتالي فليست صورة مغايرة لما يحدث بالفعل في المجتمع كله: مؤسساته التعليمية والثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها، من اختلاط وغيرها، وضعف، وتدنٍِ، واتساع، وتطور وإضافة.
وهي خالقة للجديد من المادة اللغوية التي تُلبيّ احتياجات وضرورات يومية وعاجلة، من خلال توسعها في القياس والاشتقاق والنحت والتعريب. وبين الأمرين معاً، النقل والخلق، تقوم حدود هذه المسئولية، وتتعاظم أبعاد الدور والرسالة أمام الباحثين عن السلبيات والإيجابيات، والمنادين باكتمال صورة الهوية اللغوية والقومية، وسلامة اللسان العربي وصحته واستقامته، وقدرته على الإبداع والانطلاق بلا حدود.
فالعولمة ليست "ديانةً جديدةً. كما يُبَشِّر حاملوها. ([36]) وإن ما تنطوي عليه في جوهرها من إلغاء الآخر، وما تَسْعى إليه من ردم حضارة وثقافة الآخر وإلغائه بل وإلقائه في مَصْهَر المادية الغربية – الأمريكية بالذات- يفتقر إلى مقومات الأصالة وإلى مقومات التَمَيُّز. صحيحٌ أن التكنولوجيا الحديثة قد جَعَلَتْ من العالم قريةً صغيرةً ولكن فقط في نظر مَنْ يمتلكها ويسيطر عليها في الوقت الذي يَتَصَغُّر فيه جميع الآخرين وكأنهم كائنات ميكروسكوبية؛ فانقلبت المعادلة بطريقةٍ تمّ فيها إخراج القطاع الأكبر من البشرية خارج دائرة الفعل والتأثير، هناك إنسان "سوبر" و"متعولم" وهناك "مهمش وميكروسكوبي" حسبما تفرضه طواحين العولمة التي لا تعرف الإنسانية ولا القِيم الأخلاقية. تتميز هذه المقاصد بصفتين: تأخذ أولا شكل البداهة ، معتقدة أن الثقافة القومية العربية قائمة وواضحة الوجود ، ومؤمنة ثانياً بمستقبل هذه الثقافة ، طالما أن مستقبلها الواضح امتداد لحاضر لا اضطراب فيه ولا نقصان.([37])
أعلنت اللغة القومية عن المساواة في حقل اللغة بين أفراد يتساوون في الحقوق والواجبات. لتوطيد الانتماء القومي والبحث والتوجه إلى مستقبل مشترك متخذاً من "الأيدولوجيا القومية", لا الماضي المجرد, مرجعاً له. عرف العرب في تاريخهم الحديث الدولة - القومية؟ وهل خلقت الدولة - القومية العربية ، التي لم تخلق: ثقافة قومية بالمعنى الحديث للكلمة؟
اللغة القومية ووسائل الأعلام:
إن الواقع اللغوي الذي نعيش فيه الآن يمر بمنعطف تاريخي خطير بالنسبة للغة العربية الأصيلة – رغم جهد الجاهدين المجاهدين من أبناء العربية الغيورين عليها – خاصة اللغة الإعلامية المتبعة في مؤسساتنا الإعلامية المحلية والدولية ، الأرضية والفضائية ([38]).
الأمر المتفق عليه أن اللغة في وسائل الأعلام تكتسب أهميتها من أهمية هذه الوسائل الإعلامية التي تكشف عن تنامي الثورة الاتصالية وتعاظم آلتها الجبارة نفوذاً وسطوة وتأثيراً وسعة انتشار, الأمر الذي يجعل هذه اللغة – من خلال الإذاعة المسموعة والمرئيات والفضائيات يتزايد تأثيراً ويتصاعد ويتسع مداه، مع النجاح الهائل لهذه الوسائل في اجتذاب ملايين المستمعين والمشاهدين من كل الأعمار والمستويات. وعندما نبحث عن موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني من قضايا أمته وشعبه وموطنه ، ومن قضايا الإنسان في العالم ؟ هل سيتفرج على ما يحدث من إهانة للإنسان العربي واستهانة بحقوقه وقيمه وحرياته وحياته ؟ أم سيقف في صفوف المدافعين عن القيم والأخلاق والحريات والحقوق وعن الإنسانية ؟ وموقفه من معنى المساواة أمام القانون ومن تطبيق تلك المساواة ، على الرغم من الاختلاف في الرأي والرؤية ؟
ويظهر ذلك بوضوح في تعاريف علماء اللغة كما يعرفها سابير اللغة E.D.Sapir بقوله :" اللغة وسيلة غير غريزية ، وإنسانية تماماً لإيصال الأفكار والعواطف والرغبات ، عن طريق نظام من الرموز المؤداة اختيارياً([39]) " .
من الضروري في هذا المجال أن نشير إلى انفجار شبيه بالانفجار السكاني أو الانفجارات الكونية كالبراكين والزلازل، حدث في إذاعتنا المسموعة والمرئية وفضائياتنا العربية جميعها، وهو ما يسمى بالبث المباشر الذي يستغرق ساعات عدة من حجم الإرسال ، ويهبط فيه مستوى الأداء اللغوي إلى أدنى درجة له من حيث الصحةُ والصواب، ليصبح أكثر اقتراباً من السوقية والابتذال. فيما تدور حوارات طويلة مملة بين المستمعين والمشاهدين من ناحية، ومقدمي البرامج من ناحية أخرى، لا مضمون لأغلبها ولا قيمة لها في مُجملها، فضلاً عن امتلائها بكل ما يؤذي السمع من أخطاء في التعبير والنطق، واستخدام الكلمة المناسبة والأداء السليم. :"فاللغة لا تعجز عن التعبير عن أي معنى من المعاني ، متى قام في نفوس المتكلمين بها ، فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان ، استطاع التعبير عنها بلغته ، إن كان متمكناً من هذه اللغة ، وعاملاً على رفعة شأنها ([40]).
اللغة و الثقافة والإعلام :
تمثل اللغة دائماً مرآة للثقافة ، وللإعلام ووسائله تأثير كبير في تكوين ثقافة الإنسان ([41]) . فلا حكر ولا وصاية على الفكر مادام صاحبه لم يخرج عن حدود اللياقة الأخلاقية والفنية فمن حق المفكر أن يعرض فكره ويجب أن نساعده على ذلك ، ونفسح له المجال ، ويجب عليه أن يكون صدره رحباً لتقبل النقد الذي يوجه إليه من قبل المختصين ، ويجب أن يكون النقد موضوعياً بناءً من أجل الوصول إلى الحقيقة التي ترتكز على الإقناع ، وعندئذ نكون على الطريق الصحيح .
العربية وأزمة الفكر :
تتعرض اللغة العربية لكثير من الأزمات الفكرية حولها ، ويقود هذه الأزمات مجموعة من الحقدة الذين تطفلوا على لغة القرآن الكريم ، واستعملوا بعض أبناءها السذج الذين انخرطوا وسقطوا في الهاوية المدبرة ، فأصبحوا أداة لغيرهم ، فرموا لغتنا العربية ، و اتهموها بالصعوبة والتعقيد ، والعجز عن مسايرة ركب الحضارة الحديثة ، وتكنولوجيا العصر ومعارفه ، واتخذوا من هذه الاتهامات ذريعة إلى الدعوة لإحلال العامية محل الفصحى بدعوى جمود هذه اللغة وقدمها ، ولم يكتف هؤلاء بذلك ؛ بل نادوا بإحلال الخط اللاتيني محل الخط العربي .
الحقيقة " أن اللغة قد تتدخل في تحديد وتركيب أنماط الفكر في المجتمع([42]) " و أن كل ما وصفوه وادعوه افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان ؛ لأن صعوبة العربية في نحوها وإعرابها قاسم مشترك بين معظم اللغات الحية التي يحاول أبناؤها الوصول بها لأفضل صورة في الاستعمال ، كما وضح ذلك الأستاذ الدكتور : رمضان عبد التواب –رحمه الله-قائلاً : " أن الإعراب المعقد الصعب لا تنفرد به العربية الفصحى وحدها ؛ بل هناك لغات كثيرة ، لا تزال تحيا بيننا ، وفيها من ظواهر الإعراب المعقد ما يفوق إعراب العربية بكثير ، ومن هذه اللغات الألمانية مثلاً([43]) "
فنحن نعتز بلغتنا رغم ما يعترينا من هفوات الإهمال التي تعد من تداعيات الزمن وظروفه ، فلغتنا قادرة غير عاجزة على خلق المعاني الجديدة .
ومما يدعوا إلى العجب أن هؤلاء يقرءون النصوص من الكتب المترجمة ولا يفهمونها ؛ بل يؤولونها وفق أمزجتهم ، نحو قول ماريوباي في كتابه لغات البشر : " إن اللغة الحقيقية التي يستخدمها الناس فعلاً لا اللغة التي يعتقد أن على الناس أن يستخدموها([44]) " فما قصده ماريوباي لم يفهم ، يقصد اللغة المستخدمة ، ولغتنا مستخدمة ، وبقوة حيث إننا نتعلم في مدارسنا ، ونكتب ، ونقرأ في كتبنا التراثية والحالية بالمستوى الفصيح ، رغم ما به من هفوات مقصودة بشكل مباشر أو غير مباشر ، ونصلي ونركع ونسجد ونبتهل إلى ربنا بها .
- وأرى أن قضية العربية - وباختصار شديد- قضية الإسلام فالهجوم هجوم عقيدة وليس هجوم لغة ، ولو لم تكن العربية لغة الإسلام لكان الحال غير الحال . فالقضية ليست قضيتها بل قضيتنا ومن لم يفهم الأمر هكذا فقد ضل به الفكر ضلالا بعيداً .
أولاً : الازدواجية اللغوية ، ودور الإعلام في تقليص خطرها :
الازدواجية اللغوية قدر اللغات البشرية ، وظهرت هذه الازدواجية بظهور الشكل المتكامل للغة الإنسانية ، وبالأحرى عندما اخترعت الكتابة . وتستوي في هذا الأمر كل اللغات البشرية حيث كانت اللغة واحدة ثم تفرق أبناؤها واختلفت بيئاتهم التي عاشوا فيها فاختلفت لغاتهم لاختلاف الأدوات التي يستخدمونها ، فظهرت اللهجات التي زاد انعزالها حتى أخذت شكلا كتابياً مستقلاً وبمرور الزمن أصبحت اللهجات لغات مستقلة .
الازدواجية و الثنائية اللغوية :
فالازدواجية اللغوية كما ذكر سابقاً استعمال مستويين لغويين بينهما اختلاط المستوى الفصيح والمستوى العامي ووجه المقاربة بينهما يخلص في الجانب المعجمي على مستوى المفردات ناهيك عن استخدام الفصحاء المبالغين فى الفصاحة الكلمات المتقعرة أما وجه الخلاف بينهما يكاد ينحصر فى طريقة الأداء فالفصحى تحتاج لأسلوب خاص في النطق باستخدام النبر والتنغيم ، وكل الأمور المتعلقة بالجانب الصوتي بجانبيه الفوناتيكي والفونولوجي ، أما الثنائية اللغوية يقصد بها من يمتلك أكثر من لغة ، أو ما يطلق عليه أصحاب اللغة الثانية second language ، أي لغة غير اللغة الأم mother toung والحقيقة المرة التي لابد أن نعترف بها أنك لا تسمع الفصحى نقية كما ينبغي ، ولا من أربابها ، أو معلميها وهذا مؤشر خطير فلا تسمع لها حساً إلا في الخطب الدينية كخطب الجمعة والعيدين، ويكثر ظهور الفصحى في الدرس العلمي والمحاضرات ، فالمرفوض في اللغة استعمالا وذوقا التركيز على الغريب من الألفاظ لأنه لا يتساوى حظ الجميع فيه فلم نر ولم نطالع في كتب الأدب من يشتكي أسلوباً ؛ بل كانت الشكوى تنحصر فى علاقة اللفظ بالمعنى . . ونقل عن عبد الله بن مسلم انه دخل أبو علقمة النحوي على "أعين" الطبيب فقال له: أمتع الله بك، أني أكلت من لحوم هذه الجوازل فطسأت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل هناك دواء؟ فقال أعين: خذ حرقفا وسلقفا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة : لم افهم عنك فقال أعين : أفهمتك كما أفهمتني .
ومن الناس من يدعي أن الازدواجية اللغوية تعطل القدرة على الإبداع ، وهذا عكس ما كان يظن في الغالب ، والحقيقة - ومن وجهة نظري- أنه لا تقف لغة أمام إبداع علمي أو أدبي لأنه لا توجد لغة قاصرة مادامت حية يُتحدث بها ويُكتب بها ، ويُسجل بها تاريخ الأمة .
- إن الازدواجية اللغوية في بيئاتنا الآن إنما هي صورة صادقة لما يمر به العقل العربي الآن من مرحلة التخبط وعدم تركيز الذهن ، أو ما يطلق عليه التشتت الذهني مما يجعله مستعداً لقبول أي وافد فكرى عليه يفكر له ويرسم له .
وإن كان الأمر هكذا فإننا في عصر المعرفة و المعلوماتية التي لا تقف عند حد من الحدود الإقليمية الهامشية وأدوات هذه المعرفة هي المؤسسات الإعلامية من صحف ومجلات وإذاعة مرئية وأخرى مسموعة . وحفاظاً على الهوية العربية الإسلامية ، وكواجب قومي ديني فلابد ، وحتما من تسخير مؤسساتنا الإعلامية لخدمة هذا الواجب .
البرامج التليفزيونية :
لقد كان من آثار التضخيم الإعلامي لأهمية اللغة الأجنبية ، وسد باب العمل أمام المواطن العربي دون إجادة هذه اللغة ارتفعت الأصوات منادية بتعلمها حتى ذكرتنا بأيام الاستعمار على مصر وما حدث للبلاد المغربية وما جاورها. وفي التجربة اللبنانية في فتحها لتعليم الإنجليزية والفرنسية اكبر درس حيث ضاعت اللغة العربية بين تلك اللغات وأصبح اللبنانيون الأحداث لا يعرفون أبجديات اللغة العربية ، أن الدعوة إلى تعلم العربية وإجادتها والحفاظ عليها لا يعني الانزواء عن العالم فإذا قدم إعلان بالعربية تبعه على التو بإعلان بالفرنسية و الإنجليزية. لازدواجية اللغوية نابعة من الازدواجية الجغرافية كما هو الحال في كندا أو بلجيكا، حيث تتعايش داخل المجال الوطني منطقتان لغويتان أو أكثر تفرق بينها حدود فاصلة إلى حد ما. وكذلك كما في المغرب فالتمييز بين الأقاليم التي كانت قد خضعت للسيطرة الأسبانية (منطقة الريف في الشمال وطرفيه والساقية الحمراء ووادي الذهب في الجنوب) والتي كانت تمارس الازدواجية العربية/الأسبانية، وبين الأقاليم التي كانت تحت الحماية الفرنسية، قد تلاشى بسبب حركية الازدواجية العربية/الفرنسية التي نشطت في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية. فإن الازدواجية اللغوية تهم الجميع ولم تكن يوماً خاصة بالنخب. وهي للأسف تستقر وتنتشر داخل المجتمع في دور التعليم والإعلام، وكأنها أصبحت واقعاً تفرضه جميع الظروف الحضرية والسياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية. وما زالت الفرنسية منتشرة في التعليم العالي بكل تخصصاته. إن حجم الفرنسية في التعليم يعكس في الحقيقة حالة الوضع الاقتصادي والسياسي بالبلد، وهو وضع تطبعه العلاقات المتميزة التي احتفظ بها المغرب مع فرنسا في الميادين الاقتصادية والمالية والثقافية والبشرية، إضافة إلى العلاقات التي أقامها مع البلدان الفرانكفونية الأخرى في الشمال. وأخطر من هذا أنه يترتب على إجادة اللغة الثانية كالأولي أثر في توزيع ميدان العمل وأن المرشحين المزدوجي اللغة والمتمكنين من اللغات الأخرى لهم حظوظ أوفر في الحصول على عمل في القطاع الخاص كما في القطاع العام .
- والكُتب المدرسية التي تضمُ المناهج العقيمة في تعليم العربية تنجح في التنفير والكراهية بدلاً من التحبب والترغيب. ومجتمعٍ أصبح يسخر ممن يستخدمون العربية الصحيحة ويتعاملون بها. وتنعكس سخريته هذه فيما ينتجه من أعمال فنية سينمائية ومسرحية. ونحن نذكر جميعا ًالفيلم المشهور غزل البنات الذي كان فيه الممثل العبقري نجيب الريحاني صورة لمعلم اللغة العربية الذي هو موضوع سخرية تلميذاته وتندرهن به وبما يُعلمّه لهن وهن يرددن: أبجد هَوز حطي كلمن، شكل الأستاذ بقى منسجمن. وعندما تسخر أمة من معلم لغتها القومية ودينها الحنيف، غَيْر عابئة أو واعية بما يحدثه هذا من تدمير للوجدان وخلخلة في منظومة القيم وزلزلةٍ لثوابتها المؤكدة لهويتها وانتمائها وشخصيتها، وتتمادى في ممارسة هذا العبث عبر كثير من التمثيليات والمسلسلات في الإذاعة المسموعة والمرئية، عندما يحدث هذا، فإن هذه الأمة تسير معصوبة العينين إلى مصير فاجع في خاتمة المطاف.
والمفروض أن تكون هذه اللغة – على ألسنة العاملين في هذه الأجهزة – معياراً للصواب اللغوي والصحة اللغوية. ونموذجاً يقتدي به المواطنون ويعملون على تقليده ومحاكاته خاصةً إذا كان هؤلاء العاملون من قراء النشرات ومذيعي الربط ومقدمي البرامج. أن كثرة الشبكات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية في مصر، جعل المتابعة لما يحدث فيها من أخطاء أمراً شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.
فإن تعاظم ما يمتلئ به العالم من حولنا من أحداث وكوارث ونكبات، أدى إلى وفرة هائلة فيمن يُسمَّون بالمندوبين والمراسلين والمعلقين المنتشرين في شتى عواصم العالم ولدينا أيضاً. هؤلاء لم تتح لهم الخبرة اللغوية الكافية التي تتاح عادة لمن يعمل مذيعاً أو قارئاً للنشرة أو مقدماً للبرامج، لأنهم مصنفون أساساً باعتبارهم مندوبين ومراسلين ومعلقين، فتكون النتيجةُ ازدحام البث الإذاعي والتلفزيوني بسيل من الأخطاء الفادحة وركاكات التعبير وسطحية الأداء اللغوي، فضلاً عن الأصوات غير الملائمة، يصبح هذا كله محسوباً على الدور السلبي لهذه الأجهزة الإعلامية فيما يتصل بخطابها اللغوي، وهو الوضع الذي حدا بكثير من علمائنا اللغويين وخُبرائنا الإعلاميين ونقادنا وكتابنا إلى المطالبة في دراساتهم ومحاضراتهم وأبحاثهم وتدريباتهم – بالعمل على رفع مستوى قراء النشرات والتعليقات ومقدمي البرامج والمراسلين والمندوبين والمعلقين ثقافياً ولغوياً.
ويطالب العالم اللغوي الراحل الدكتور أحمد مختار عمر بضرورة التدريب اللغوي على أسس جديدة لا تركّز فقط على قواعد النحو. ففي رأيه أن أخطاء الضبط النحوي هي أقل ما يقع من كلام المذيعين أما أكثره فيعود إلى أخطاء الاشتقاق الصرفي، وأخطاء الضبط لبنية الكلمة، كما يطالب بإلزام المتحدثين الضيوف المشاركين في حوار معين أو برنامج خاص أو الذين يجيبون عن أسئلة المستمعين والمشاهدين باستخدام العربية الصحيحة في أحاديثهم وإجاباتهم. فمن العار – كما يقول – أن يتكلم كثير من أصحاب الأسماء الكبيرة المعروفة في السياسة أو الاقتصاد أو الأدب، بالعامية المصرية أو بلغة عربية مُشوهة.
افتقار كثير من الإذاعيين – من الإذاعة المسموعة والمرئية- والمتحدثين أيضاً، إلى الثقافة الصوتية وإلى التدريب الكافي على استخدام الإمكانيات الصوتية المتنوعة التي تندرج تحت ما يُسمى بالوسائل الصوتية غير اللفظية أو الملامح النطقية المصاحبة للعملية الكلامية ، والمشاركة لها من أداء الرسالة اللغوية ، والمستخدمة لتنوع نماذج الأصوات مثل النبر والتنغيم ودرجة الصوت ومعدل سرعته أو استمراريته ونوعيته ومدى ارتفاعه وطول الوقف أو السكوت. مما يضيف إلى سلبيات الأداء من كثرة السّكتَات والوقفات الخاطئة، والخطأ في تنغيم الجملة في أثناء قراءتها، ونطق الأصوات نطقاً مُعيناً من مثل التقابلات الصوتية، الدال والتاء والذال والثاء والزاي والسين والعين والحاء والغين والخاء، والخلط بين أل الشمسية وأل القمرية، وال القمرية، وبين همزتي الوصل والقطع.
الفصل الخامس
اللغة القومية و التربية والتعليم
- تعليم اللغات القومية .
- الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية.
- لغة التدريس، وتدريس اللغة .
- قضية التعريب وإصلاح التعليم .
- خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر.
- ظاهرة التدني اللغوي في التعليم .
- اللغة العربية والانترنت.
يعد ما قدمه علم اللغة في تعليم اللغات القومية قليلاً بسبب تأخر الأطفال في تلقي اللغة ؛ لأن المعجم اللغوي لا يكتمل لديه إلاَّ متأخراً ، بل يبدأ في تركيب الجمل البسيطة ، ثم الجملة الأكثر تعقيدا ، ومن هنا عندما يذهب الطفل إلى دور الدراسة يبدأ دور علم اللغة يظهر على استحياءٍ ، بل يبدأ من :
- تقديم الوصف العلمي السليم لأصوات اللغة ، ومن هنا تبدأ الاستفادة من الظواهر الصوتية كالنبر والتنغيم والوقف والإمالة...الخ.
- تعليم متلقي اللغة كيفية اختيار الكلمات السهلة ، والتراكب اللغوية ، ثم التدرج إلى الأصعب فالأصعب ، ويبدأ بالمفردات المحسوسة قبل المجردة ، والتراكيب البسيط قبل المعقدة .
- التركيز علي الشائع اللغوي، وترك المفردات الشاذة والغريبة المهجورة.([45])
- فتح المجال اللغوي أمام الطفل لتعلم اللغة ، وتنمية قاموسه الخاص بكل ما يستطيع من قوة ، حتى يصبح – كما قال تشومسكي – وحشا لغويا "فالطفل الذي يستطيع أن ينطق بأي عدد من الجمل أو بجمع الجمل الصحيحة نحويا قد يصبح وحشاً اجتماعياً "([46])
كل ما سبق الإشارة إلية بالإضافة إلى اعتبار أن الطفل يتحكم في مقدرة خاصة تجمع بن ما يتعلمه وما لقنه له المجتمع الذي يعيش بداخله " وهذه القدرة هي جزء لا يتجزأ من المواقف الحياتية والقيم ، والدافعية لاستخدام اللغة ، وملامحها ، وجوانبها المختلفة ، وكذلك القدرة على إدراك واستخدام علاقة اللغة مع غيرها من رموز السلوك التواصلي ، هذه المواقف تجاه اللغة واستخدامها لها أهمية خاصة نظراً إلى أنها تمثل جزءاً لا يتجزأ من مواقف الطفل تجاه اللغة ذاتها كجزء من الأنماط العقلية التي يكتسبها "([47])
فاللغة إذن بحد ذاتها ليست إحدى المقومات الوطنية والانتماء إلى قومية معينة بقدر كونها أداة للتخاطب والتواصل بين البشر وتُؤمِن مبدئياُ للمواطن مجازيا هوية ثقافية بالمصطلح الحديث المعاصر. ولا شـك أن التـربيـة والتعـليم عملية معقدة جـداً، ولا شك أيضاً أنها بجميع مكوناتها، ووسائلها ـ المادية والمعنوية ـ تمر في نهاية المطاف عبر القناة اللغوية .
فاللغة القومية أو "اللغة الأم" " لحقيقة تخفى على من عميت بصائرهم فلم يعبئوا بلغتهم القومية، ذلك أن الأم حين تحتضن صغيرها وتضمه إلى صدرها تغذيه بلبنها وتداعبه وتخاطبه في الوقت نفسه بكلماتها فهي مع ما تمنحه له من غذاء تمنحه غذاءً عقليًّا روحيًّا.. فتأخذ بيده وتعاونه على تكوين حياته الفعلية والروحية. ([48])
ويروي التاريخ لنا أن الأمم الحية تنظر إلى لغتها القومية نظرة إجلال واحترام تزداد هذه النظرة بوجه خاص عند الشدائد، فحينما احتل الأعداء بولندا لم يستطع البولنديون مقاومتهم عسكريًّا، وإنما كانت المقاومة تتمثل في أمر وحيد قد يبدو للبعض بسيطًا وهو: إحياء لغتهم القومية التي حاربها المستعمر، فصمدوا بأغانيهم الشعبية ونثروا آدابهم ولغتهم ونشروها أينما ذهبوا حتى أن البولندي كان يتكلم بلغته لا لشيء إلا رغبة في إشباع عاطفته القومية . وبينما تعامل الأوروبيون هكذا مع لغاتهم، حاربوا لغاتنا وقاتلوها.. فنابليون كان يُوَدِّع بعثاته الاستعمارية قائلاً: عَلِّموا اللغة الفرنسية أينما ذهبتم فتعليمها هو خدمة الوطن الحقيقية".
ولم يُخْفِ المقيم العام بالمغرب رمز الاستعمار الشهير: الجنرال ليوطي هذا التوجه، حين أصدر دوريته الشهيرة بتاريخ 16/6/1921م حول لغة التعليم بالمغرب؛ إذ يقول: «من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية ... فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام» ([49])
ويقول فيها: «إن التعريب سيقود البربر إلى إســلام تــام ونهائي ، وإلى أن تـوجــد بالمغـرب ـ وعلى أيدينا نحن، وهو ما نرفضه ـ كتلة إسلامية منسجمة لا نظير لها ... والمشروع يفرض أن يتم تطوير سكان الجبال باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية وسوف يحكمون بالفرنسية ... علينا أن نُقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا .. ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالح الشعب المغربي في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضاً تحويل مصيره إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا»([50]) . إذا كان التعليم والتربية يضطلعان بدور خطير وحاسم في ترسيخ القيم والخصوصيات الحضارية للشعوب، فإن الاستعمار في العالم العربي والإسلامي سعى بكل الوسائل إلى تغيير بنية التعليم والتربية كجزء من مخطط واسع للفصل بين الإنسان ومقوماته الحضارية بهذه الدول.([51])
أن اللغة الوطنية هي الوسيلة الوحيدة لتوطين العلم والتقنية، وغرس الانتماء في نفوس أبناء الأمة، وإهمالها هو سبب تأخر الأمة العربية ، وتبعيتها.
الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية:
قد يشعر البعض الذين تخلوا أو كادوا يتخلون عن هويتهم وينسلخون عن جلدهم بالعزة لأنهم يتحدثون بلغة أجنبية وبلسانهم أولائك يشعرون بالانهزامية ، فيجدون عزتهم فيما يملك غيرهم، فمثلا في بلاد المغرب العربي وبعد أن أصبحت اللغة الفرنسية هي لغة التعامل في جل الإدارات العمومية، والقطاع الخاص، اتسع نطاقها على مستوى الإعلام العمومي، فقد أضحت لغة «التميز» بالنسبة للطبقات الأكثر حظا في المجتمع .والأخطر أن أصبحت اللغة الفرنسية اليوم تفرض نفسها حتى على الأحزاب السياسية التي يخولها الدستور مهمة تأطير وتمثيل المواطنين .
لغة التدريس، وتدريس اللغة:
هناك العلاقة القوية بين اللغة والثقافة والمجتمع، فإنها العامل الحاسم في التواصل، ونقل الثقافة؛ ولابد لأن تكون السياسة اللغوية في بلادنا وفق تخطيط دقيق يتمثل في تشجيع مساحة التعليم بالتلقين تارة وغير ذلك تارة أخرى واعتبار اللغة العربية لغة علم، ولغة تواصل يومي في استعمال اللغة العربية، عن طريق تشجيع استخدامها لغة للتدريس فإن أي توجه يغاير هذا التوجه اللغوي يفهم القصد منه أنه إضعاف للروابط القوية القائمة يبن اللغة العربية والدين باعتبارها لغة القرآن، وبها دونت أغلب مصادر التراث والثقافة الإسلامية. فمن يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته. وفقدان الذات يحمل معه فقدان الثقافة ، وتشتت اللغة يعني انفصام الرباط الذي يجمع بين متكلميها، والنتيجة الحتمية هي اندثار الثقافة التي يمثلونها. وإن العامل اللغوي كان ولا زال أهم العوامل في توحيد الشعوب والجماعات البشرية ، والتقريب بين أفرادها.
لابد من وضع منهجية علمية تربوية رصينة في رسم سلسة لمناهج اللغة العربية ، أن تعمل المناهج إلى توفير المادة التي تقوم على ترسيخ أسس الهوية الوطنية وإدراك البعد الزماني والمكاني في كيفية التعامل مع مفهوم الهوية الوطنية مشيرة إلى أن الطفل الذي يأتي إلى المدرسة لا يأتي من بيئة منزلية معزولة فهو يدرك أن هناك آخرين في المجتمع يختلفون عنه في عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة حياتهم.
- الحرص على دراسة الآخر، التي تقوم على دمج الطفل مع الآخر المنتمي إلى دول عالمية تختلف عن دولته .
- وحب الوطن كدرس أكثر أهمية في المناهج التعليمية.
- تعزيز العلاقة البينية بين أفراد الأسرة في البيت ، الصفي والمدرسي مشيرة إلى أن الارتباط بالأسرة .
- أن تقدم المادة التدريسية التي تربط الطفل بالوطن العربي والبلاد العربية ليفهم حقيقة الروابط المشتركة التي تجمع بلده بالدول الأخرى المحيطة.قضية التعريب وإصلاح التعليم :
صحيح أن التعريب أمر مفيد، إلا أن الإشكال هو أنه قرار ما عرف له من قرار لدى أولي الأمر، وأحسب أنهم ما آمنوا به، ولا نشطت له عقولهم، وإنما هو لديهم أمانٍ. هذا هو الإشكال؛ ولو أنهم أخلصوا له لخلص، ولو اتخذوا لذلك أقوياء أمناء لانجلت لهم كل العوائق والموانع؛ فمن جَدَّ وجد، ومن زرع حصد، والسماء لا تمطر ذهباً؛ فاتخاذ الأسباب واجب، ومن جملتـهـا هاهنـا أن يعـرِّب المسئولون خطابهـم؛ فلا يتحدثون إلا بالعربية، وإلا لزمتهم أولاً كفارات تقدر.
ومن مظاهر هذا الاضطراب التعامل مع مبدأ تعريب التعليم؛ وأن الاستقلال السياسي يؤدي ويؤكد ضرورة اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتدريس، معتبراً مبدأ التعريب أحد الأعمدة الأساس التي يقوم عليها إصلاح التعليم في البلاد العربية .
خطورة تعليم العلوم باللغات الأجنبية في مرحلة الصغر:
التعليم باللغات الأجنبية الوافدة مع الاستعمار للعالم الإسلامي واقع يكاد يشمل كل المؤسسات التعليمية في العالم العربي، وخاصة ما يتعلق من ذلك بعلوم الطبيعة والطب والهندسة ونحوها. تلك قضية أثارت معارك بين المثقفين بمختلف توجهاتهم، كما أنها كانت من أهم القضايا التي رفع لواءَها كثيرٌ من زعماء التحرير في القرن الماضي رغبةً في تعريب التعليم في العالم العربي، لكن كان الإخفاق ـ مع الأسف ـ نصيب أكثر المحاولات! حتى التجارب التي حصلت في مجال التعريب ـ إذا استثنينا بعض الجهات ـ كانت مشوهة؛ بحيث حافظت على الصيغ الأجنبية لأغلب التعابير الاصطلاحية للعلوم المعرَّبة، واقتصرت العملية على تعريب أدوات الربط اللغوي فقط؛ بينما لم يستطع أغلب الطموحين إلى التعريب الشامل الوصول إلى شيء يذكر؛ فإلى أي شيء تُرجعون ذلك؟ وكيف تفسرون هذا الإشكال؟
ويعلق الدكتور الحسن مادي على تدريس العلوم باللغة الفرنسية في بلاد المغرب قائلاً: «إن تدريس العلوم منذ القسم الأول من التعليم الابتدائي، وترك بعض المواد تدرس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية، والأخلاقية، وقواعد اللغة، وكل ما يتصل بالأدب؛ سيخلق لدى التلميذ إطاراً مرجعياً، ينظرون من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم، ولغة أدب، لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجــي، ولغة أخــرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير، وكل هذا يتم كما حددته اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، بداية من السنة الأولى بالتعليم الابتدائي، أي منذ دخول التلميذ إلى المدرسة الحكومية. إنها فعلاً ازدواجية ستصاحب هذا التلميذ خلال دراسته كلها، وتلك وضعية لم يخترها الطفل المغربي بنفسه، بل هي استمرارية لمواقف سياسية لم تحسم بشكل واضح أثناء التفاوض على الاستقلال»([52]) .
ظاهرة التدني اللغوي في التعليم :
يُجمِع كثير من الملاحظين من المثقفين عموماً، ومن المهتمين بالتربية والتعليم في العالم العربي على ما أصاب اللغة بالضعف اللغوي، والتدني الهائل لمستوى التعبير باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة؛ كتابةً وخطابةً وتحدثاً؛ إلى درجة أن هذه الظاهرة صارت تصحب كثيراً من المتعلمين في جميع مراحل التعليم ، مع اختفاء العبـقريات اللغـوية والتعبيرية ؛ بل ساد التدني اللغوي الفادح ، حتى بين اللغويين والأدباء ، والشعراء !
فالتدني اللغوي إشكالية ثقافية؛ ذلك أن تفعيل الثقافة رهين بتطور اللغة، ونمو اللغة يعكس القيم الثقافية للمجتمع الذي يتكلمها، وهما مقياس لإمكانياته وقدراته. اللغة مرتكز اجتماعي أساسي، مرتكز يرتبط بمرتكزين آخرين هما: الدين، والوحدة. ولا ننظر إلى اللغة باعتبارها ألفاظاً، ولكن باعتبارها نسقاً عاماً مشتركاً، يشكل رؤى مجتمعية منسجمة، ويسعف في إقامة التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع، داخل ثقافة تستجيب لحاجاتهم الفكرية والنفسية والاجتماعية. واللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات؛ ليست هامدة ولا جامدة ، بل هي متطورة متحركة، على الرغم مما يظهر أنها تعيش في أزمة ، وأنها تسير بخطى بطيئة. فإذا كانت تعبر عن ثقافة وقيم متكلميها، وتصف سلوكهم وفكرهم فإن الأزمة في الحقيقة ليست فيها ، وإنما هي فيهم ، والبطء ليس صفة لها وإنما صفة لهم .
ومن هنا فإن من جملة أساليب تطوير اللغة ، وتفعيل الثقافة : الاستعمال والتداول. وسبيل ذلك القراءة والكتابة ، ومن هنا كان قول الله ـ جل جلاله - : {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}([53]) ، وقوله تعالى :{ن» وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}([54])
العلاقة بين التعليم واللغة
تعتبر اللغة صاحبة دور كبير في كل مجتمع من مجتمعات العالم كونها وسيلة التواصل الثقافي بين أبنائه ورمزا للهوية وأداة لامتداد الحضارة والتراث ولإيصال العلم والمعرفة إلى اللاحق من قبل السابق. وتتخذ اللغة في مجتمعات الدول النامية أبعاداً أخرى سياسية ونفسية ووطنية وعاطفية، إذ إنها كثيراً ما تتحول إلى رمز للاستقلال والتحرر من المستعمر وركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، كما هي الحال مع اللغة العربية التي أضحت رمزاً لوحدة بلاد العرب من المحيط إلى الخليج.
البعثات العربية في الجامعات الغربية :
أين هي العلاقة بين التعليم واللغة، تلك العلاقة التي يجب أن تكون أساس هوية الفرد وانتمائه؟ تشير الإحصائيات إلى أن هناك 600 ألف طالب عربي يدرسون في الجامعات الغربية رغم ما للعرب من تاريخ عميق في ترسيخ المعرفة والتعليم . يذكر لنا التاريخ الإسلامي والعربي العريق أن الجامعات الإسلامية العربية سبقت جامعات أوروبا بأربعة قرون وأنها لم تكن مقتصرةً على الدراسات الدينية، بل ضمت إليها فنون المعرفة والعلوم وباستخدام اللغة العربية لغةً للتعليم فيها جميعا، ليس فقط في المواد الإنسانية بل وفي المواد العلمية بما فيها العلوم الطبية.
واجب مدرسي اللغة ومعدي المناهج التعليمية :
يجب على من يتصدى لتدريس اللغة العربية لغير المتخصصين أن يراعي تجنب الخوض في قواعد اللغة حتى لا ينفر منها الدارسون، ولكن أن أولا علي انتقاء نصوص شعرية سهلة ميسور فهمها، ثم بعد ذلك يتناول قضية من قضايا المجتمع، ويختار نصًا نثريًا قد يمس القضية ويقرأه مع الطلاب، ويجب إكساب معظم الطلاب خمسة جوانب منها: مهارات القراءة بمعني تقويمها علي أساس صوتي فنهتم بتصحيح أسماء الأصوات إيضاح مخارجها، الجانب الثاني مهارات الكتابة، ويكون بالتركيز علي صحة الكتابة من جهة ثم حسنها وجمالها من جهة أخري. الجانب الثالث مبادئ الصرف ويتضمن نقطتين الأولي استخدام المعجم، والثانية دراسة ما يستخدم من المسائل المصرفية.
أن انفتاح الفرد علي ثقافات الآخرين دون أن تترنح ثقافته القومية في صلب شخصيته غالبًا ما يجعله عرضة للاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية . أنه يجب علينا اللحاق بركب التعلم عن بعد بتعريب العلوم مستغلين التقدم في شبكة الانترنت، والحاسبات المتناهية في الصغر والمؤتمرات عبر شبكات الفيديو.
التعليم الأجنبي في الوطن العربي :
يحتل تعليم اللغات الأجنبية في هذا العصر مساحة كبيرة؛ فالتنافس شديد بين الشعوب في نشر لغاتـها في العالم؛ ذلك أنّ اللغة تحمل ثقافة أصحابها. والأمة التي تحترم نفسها ولغتها، تسعى جاهدة في تبنّي تطوير تعليم لغتها، واختيار أحسن وأنسب الأساليب والطرق لتحقيق ذلك، وتُعِدُّ معلميها إعداداً جيّداً ليجعلوا هذه اللغة تبدو سهلة وممتعة. والمعلم الذي لا يأخذ بالأساليب المناسبة يهدر وقته ووقت طلابه ولا يجني إلا القليل. وإعداد المعلم وتدريبه له مكانة هامة وخاصة، لاسيما معلم اللغة العربية.
تدريس العلوم العلمية باللغة الإنجليزية:
أن تدريس الطب في سوريا باللغة العربية لم يضعف مستوى الأطباء السوريين بل هم من أفضل الأطباء العالم العربي عموما .. ولم نر أن ألمانيا تُدرس الطب أو سائر العلوم بلغة غير اللغة الألمانية ولا فرنسا تدرس في جامعاتها بلغة غير الفرنسية... بل إن الأمر دفع ببريطانيا لدراسة الطرق التي تحمي بها لغتها الإنجليزية من الإنجليزية الأمريكية .والجهل باللغة العربية فقالوا قديماً: "الناس أعداء ما جهلوا".
مخاطر تعلم اللغة الأجنبية على اللغة العربية في مرحلة الطفولة، فاللغة تمثل أقوى رابطة بين أعضاء المجتمع الواحد، ومن مخاطرها أيضًا تأثير المستوى اللغوي والثقافي على المستوى الخلقي والسلوكي نتيجة تعلم لغة بعيدة عن الدين والثقافة العربية. فقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى ما يدل على أن تعرض الإنسان العربي في صغره إلى لغة أخرى يضعف اللغة العربية ولا يرقى بمستواها إلى مستوى الإتقان. وبأن يتم تحويل المدارس التجريبية ومدارس اللغات والمدارس الأجنبية إلي تدريس مختلف العلوم باللغة العربية رفع ا لكفاءة العملية التعليمية و تعميق ا لتوطين العلم في المجتمع وحفاظ ا علي هوية أبنائنا. تدريس مختلف العلوم باللغة العربية رفع الكفاءة العملية التعليمية وتعميقًا لتوطين العلم في المجتمع وحفاظًا على هوية أبنائنا. وكان التدريس في مدرسة الطب بالقصر العيني التي افتتحها محمد علي باشا عام 1838 في القاهرة، كان باللغة العربية وتخرج منها خيرة المتخصصين والعباقرة. فاللغة العربية لها الاعتبار الأول ثم اللغات الأجنبية ، فليس الاعتناء باللغة الأم، وإعطاؤها أولوية انغلاقاً، بل المطلوب هو الانفتاح على العالم، ونقول أيضا انه ينبغي الاعتناء باللغة الأم أولا ثم باللغة الثانية حتى لا يفضي التركيز على اللغة الثانية إلى تراجع الاعتناء باللغة الأم. وللارتقاء بواقع تعليم اللغة العربية وتعلمها، ينظر إلي الأمر نظرة شمولية متكاملة في ضوء منحى النظم التربوية والتعليمية المتاحة بين أيدينا كي نستطيع تعزيز الانتماء إلى الأمة ولغتها الشريفة في نفوس الجيل تخليصا له من عقدة التصاغر تجاه اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية ؛ حفاظا على ذاتيتنا الثقافية وعنوان شخصيتنا وهويتنا،مع الانفتاح على الثقافات الأخرى ؛ لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود كما لا يعني التنازل.
ولا يعني ذلك البعد عن تعلم اللغات الأجنبية بل لابد من دراسة اللغات فهي وسيلتنا للتواصل مع غيرنا من المجتمعات ومتابعة التقدم العلمي العالمي. ولكن الفرق كبير بين تعلم اللغات واعتبارها عامل أساسي لدراسة العلوم المختلفة وبين كونها وسيلة للتخاطب في المجتمع. ولعل هذا يستدعي من رجال التربية والتعليم وضع صيغة جديدة لدراسة اللغات في المدارس مع الحفاظ على الشخصية الوطنية للمجتمع. فنجد هنالك علاقة واضحة بين الذكاء والقدرة اللغوية فضعاف العقول يبدؤون الكلام متأخرين عن العاديين ،و يتأخرون عن الأذكياء ولكن ليس معنى هذا أن كل طفل يتأخر في الكلام لا بد أن يكون ضعيف العقل أو غبياً .
اللغة العربية والانترنت :
اللغة العربية أداة تواصل عالمية وجسر عبور قوي في محيط عربي وإسلامي ،
منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع، تشتمل على عدد من الأنظمة، يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني، تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها؛ فاللغة باعتبارها نصوصاً واصفة؛ تقوم بدور (تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها، أي علاقة اللغة بالثقافة كأداة ؛ لتوحيد الجماعات في مجتمع خاص بهم. فاللغة وعاء للأمة تجعل فيه أفكارها، وثقافتها، ومعارفها، وتاريخها، وبها تصاغ مقومات وخصائص وجودها، ومن ثم فإن التضييق على اللغة العربية ومحاولة القضاء عليها، أو استئصالها فعل ينضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة، بل محق وجودها.
اللغة العربية هي لغة الإدارة :
قال العقاد عن اللغة العربية: "لقد تعرضت وحدها من بين لغات العالم لكل ما ينصب عليها من معاول الهدم ويحيط بها من دسائس الراصدين لها؛ لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية". إن الانتماء الثقافي له اثر كبير في مجتمع المدينة خاصة بعد انتشار الوعي القومي وأن اللغة المتداولة بين الناس في بيئة المدينة وأسواقها تعطي طابعا ثقافيا معينا للمدينة وهذا لا يعني مطلقا بان المتكلمين بتلك اللغة ينتمون عرقيا إلى القومية المعينة. ([55])
ومع انتشار المؤسسات الإدارية المشتركة بين العرب وغيرهم من غير العرب ، خاصة في مجال التجارة والصناعة ، وإلزام وجود الوسيط اللغوي المتمثل في المترجم فأحياناً تميل الشركات إلى أن تكون لغة الخطاب في عمومها اللغة الأجنبية ، وهنا يقع المحظور في استيلاء اللغة الغربية في لغة الخطاب داخل المؤسسة المشتركة ، ويجب ألا يحدث ذلك .
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد ما قام به الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية ، عندما لاحظ الميل إلى الاستئثار اللغوي في الخطاب الإداري بين المؤسسات التجارية الغربية والمشتركة ، خاصة في الشركات المتواجدة في إمارة دبي ، فأصدر مرسوماً عظيماً يدعو فيه إلى استخدام اللغة العربية لغة رسمية ، وشدد على أن تلتزم هذه الشركات باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها ومحرراتها ومحاضرها، خصوصا في عموم المصالح العمومية التي لها علاقة بالمواطنين.
المقترحات والتوصيات
- إن اللغة بلا شك تغتني وتتطور من خلال تراثها الأدبي ، وبالتضافر مع جوانب حياتية أخرى كالإعلام ، غير أن التعليم هو الأساس. وتطوير التعليم يحتاج إلى جهود كبيرة، ويحتاج إلى التمني ؛ بل إلى دعم أكبر ، وتشجيع من الدولة من خلال سن قوانين المنظمة .
- أقترح بإنشاء المجلس القومي للتخطيط اللغوي ، وتقديم الدعم المادي والإعلامي له ، وغير ذلك من جميع أوجه الدعم للحفاظ على اللغات الوطنية ؛ لأن موت أو تراجع أية لغة سيؤدي إلى خلل وضعف في بنية الهوية والثقافة الوطنية.
- ويجب أن نضع في أذهاننا أن الوثيقة الخضراء الكبرى بالنسبة إلى المشرع بما ورد فيها من مبادئ من قبيل الوثائق الدستورية ضمنياً .
- وعند النظر إلى هذه القضية نجد عاملين مهمين لهما عظيم الثر في تحديد وجهة وطبيعة القضية وهما العامل الاقتصادي والعامل السياسي ، فيجب أن نهتم بما يلي :
- إنشاء العديد من الجمعيات الأهلية المعنية مع تمتعها بوضع سياسي مرموق يمنحها سلطة الرقابة اللغوية على كل منشآت البلاد ، والإبلاغ عن أية تجاوزات لغوية. - أن تحصل الجمعيات الأهلية على إعانات مالية من الدولة كما هو الحال مع جمعية حماية اللغة العربية في مصر وارتباطها بوزارة الشئون الاجتماعية.
- ضرورة أن تذعن الدولة بمؤسساتها للتوصيات اللغوية التي تدعو إليها هذه الجمعيات .
- أن تدعم الدولة ندوات ومؤتمرات هذه الجمعيات .لأن الأمر ليس منة منهم ، بل هو واجب ديني وقومي ، ولا أبالغ بأن أقول أنه حق من حقوق الإنسان العربي .
- ومن أهم ما ينوط به دور هذه الجمعيات المدنية الأهلية :
- تقوم الجمعيات اللغوية بتكوين لجان من مهامها مراجعة جميع الإصدارات والأعمال والمؤلفات وكأنها رقابة لغوية .
- ألا تسمح باستعمال أية لغة أجنبية أو لهجة عامية في المؤتمرات .
- أن تراعي الدقة العلمية والمعلوماتية .
- أن تكلف لجنة بمراجعة وتصويب الرسائل العلمية والكتب والإعلانات .
- أن تكلف لجنة بالرد على الاستفسارات اللغوية عن كيفية كتابة إعلاناتهم بلغة سليمة.
- المساهمة في الحفاظ على الوجه العربي للشارع والبيت والمؤسسة ، وتطبيقاً للدستور.
- أن تعطي هذه اللجان المقدرة على رفع الدعاوى القضائية على الحكومات والوزارات وأصحاب المنشآت الصناعية والزراعية والتجارية التي تحمل أسماء أجنبية ، أو تستعمل كلمات أجنبية في التعامل مع المواطن العربي لمخالفتها الدساتير العربية التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد.- أن يكون لها الحق في مخاطبة صناعي القرار ، فيما تتعرض له اللغة الوطنية على يد أعدائها وبعض أبنائها على الرغم من ارتباطها بالسيادة الوطنية والاستقلال الثقافي ، والحضاري وتعبيرها عن الشخصية العربية واتصالها بالأمن الثقافي والحضاري والاقتصادي والأمن العام القطري والعربي.
- نوصى الزعماء والوزراء والمسئولين أن يلتزموا اللغة العربية في جميع المحافل الدولية والمباحثات، واللقاءات الثنائية والمؤتمرات الصحفية المشتركة مع زعماء أجانب. فمما يؤذي مشاعرنا أن يلتزم الوزير الإسرائيلي محترماً للغته الوطنية اللغة العبرية ؛ في حين يتشدق رؤساء الدول العربية باللغات الأجنبية أمام وسائل الإعلام أما مسمع ومرأى العالم.
- يوصى القائمين على التعليم في الوطن العربي إلى التزام الفصحى السهلة الحديثة ، وعدم استعمال اللهجة المحلية خاصة في قاعات الدراسة .
- عدم التبكير بتدريس اللغة الأجنبية في المراحل التعليمية الأولي ، خاصة في الوقت الذي يتعلم فيه أبناؤنا المهارات اللغوية الأولية من كتابة وقراءة ، حتى لا تزاحم اللغة العربية ، ولا تصيب الطفل بالتشتت وازدواج الشخصية.
- وأن تلتزم الحكومات العربية بتطبيق مواد دساتيرها التي نصت على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ، وتطبيق القوانين الصادرة في كل الأقطار العربية ، لأنها اللغة الوطنية وعدم استعمال غيرها في أي من مجالات الحياة العربية مثل القانون 115 لسنة في مصر 1958م، والقانون الجزائري رقم 5 لسنة 91 المعروف بقانون تعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر.
- وأن تقوم البحوث والدراسات العربية في الجامعات العربية بتخصيص مقدار يعتد به من رسائل الماجستير والدكتوراه لتحقيق التراث العربي من البرديات والمخطوطات والكتب، لأن التاريخ العربي هو أهم ما يجمع العرب وهو أحد أعمدة النهضة العربية التي ينبغي أن تقوم على تحقيق التراث العربي ونشره، والإبداع والتأليف باللغة العربية.
- التوسع في تدريس اللغة العربية للأقسام العلمية ، ولكن بتطور يساعد على إتقان اللغة.
توجيه المسابقات والجوائز :
لابد من توجيه الجهود لإغراض مفيدة ، وإن كانت المنظمات الدينية اليهودية تنظم وسائل تبرعاتها المغرضة لتدمير العرب وشباب العرب ، وبأشكال متعددة ومدروسة يخدمها شيطان الفكر الجيد ويوزعون جهودهم في إنشاء القنوات الفضائية الإباحية العربية التي تدمر ونهيك عن الجوانب الأخرى الاقتصادية والزراعية والعسكرية ...إلخ ، وغيرها وكل هذا مدروس بعناية وكل وسيلة لها وقتها ولها غرض ، عندما ينتهي الغرض تنتهي ، وتكون غيرها جاهزة ومدروسة ، أما نحن العرب فلا دراسة ولا تخطيط ولا غير ذلك . ومن ذلك :
تنتشر المسابقات والجوائز في ربوع البلاد العربية ، وبمبالغ مادية ومعنوية كبيرة هائلة ، أحيانا يصل المبلغ في إحدى الجوائز إلى نصف مليون ريال سعودي ، أو 50 ألف دولار. والغرض منها خدمة الإسلام ؛ هكذا قالوا.
ولكن الحقيقة أن هذه الجوائز من أجل السمعة والرياء والمجاملات والعنصرية فالجوائز السعودية أولى بها أولاد السعودية ، وكذلك البحرين والكويت ، والأردن والإمارات إلا ما من رحم ربي ، والأولى أن تكون الجوائز محلية داخل القطر الواحد ، ولا يعلن عنها في الصحف العربية ولا نقول أنها لشباب الباحثين والباحثات في الأمة العربية والإسلامية . وأقول أن هذه الأموال هي محاولة تطهير الأموال من التعاملات الربوية للأموال العربية في البنوك الربوية الأوربية. فكما أنها جاءت من طريق مخالف للإسلام فتكون - بمشيئة الله – ليست لوجه الله تعالى .
المراجع والمصادر
- القرآن الكريم .
- أساس البلاغة ، الزمخشري ، الهيئة المصرية للكتاب 1966م .
- بحوث ومقالات في اللغة ، د. رمضان عبد التواب ، الخانجي ، ط 1 1994 .ص 166 .
- ثقافة قومية عربية مفقودة تعبر عصرين للعولمة " فيصل درّاج ، مجلة الحياة 3/3/2004 .
- الخصائص لابن جني ، تحقيق محمد على النجار، الهيئة المصرية للكتاب 1955م .
- السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، منشورات مجلة علوم التربية، 1999م.
- علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .
- علم اللغة الاجتماعي ، كمال بشر ، مكتبة الشباب1994م .
- العولمة والديمقراطية ، كمال مجيد ، دار الحكمة ، لندن ،2000م . ص 278.
- كتاب الفكر العربي ، د. خالد عبيدات ، مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007 .
- كتاب المناهج بين الأصالة والتغريب لمحمد صالح بن علي جان، المكتبة المكية بمكة المكرمة، 1998م.
- كتاب واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين، سعيد عبد الكريم زيد، مكتبة وهبة بمصر1997م.
-اللغات الأجنبية ، ناف خرما ، وعلي حجاج ، عالم المعرفة ، الكويت 1988م ص 76.
- لغات البشر ، مار يوباي ، تر:د. صلاح الدين العربي ، القاهرة 1970م ص 108 .
- اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية، د. خالد يونس خالد ، دراسة أكاديمية، جامعة أوبسالا، السويد، 2005.
- "اللغة بين والقومية والعالمية"، الدكتور إبراهيم أنيس ، دار المعارف، القاهرة 1970 م .
-مفهوم التلقي من خلال الأنموذج التواصلي نزار التجديتي ، لنظرية زيجفريد شميت ، عالم الفكر ، المجلد 35، 2007.
- اللغة بين القومية والهوية" ، عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة فكر وإبداع ، رابطة الأدب الحديث ، الجزء 38، يناير 2007م .
- اللغة ، فندريس ، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ، ومحمد القصاص ، دار المعارف 1954م
- اللغة والحياة والطبيعية البشرية ، د. بروفسور روي . سي. هجمان . ترجمة داوود حلمي ، جامعة الكويت1989ط1.
- اللغة الإعلامية ، عبد العزيز شرف ، المركز الثقافي الجامعي 1980م.
- نحو قانون للتخطيط اللغوي في السودان ورقة قدمت للمؤتمر الثالث للغات السودانية ، قاعة الشارقة 5 ـ 7 ديسمبر 1995 ـ الخرطوم ).) جمهورية السودان ـ المجلس الوطني ـ الرئيس ـ قانون المجلس القومي للتخطيط اللغوي لسنة 1997ـ 29 نوفمبر 1997 ـ الخرطوم ).- النظرية الألسنية – الألسنية التوليدية والتحولية ، ميشال زكريا ، ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر التوزيع ، بيروت 1986.
- نظرية تشومسكي ، جون ليونز ، ترجمة د/ حلمي خليل ، دار المعرفة الجامعية 1995.
- وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنت ـ وثائق اليونسكو:
المجلات والدوريات :
- مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص 21)
- الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
- اللغـات السـامية، أبراهام بار يوسف، ترجمة: عمرو زكريا، مجلة واتا، العدد 1 2007.)
- اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة ، للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، رقم المبيعA.94.XIV-Vol.1, Part 1، ص 1 .
- مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص50.
-مجلة الثقافة العربية ،" اللغة والنسيج الثقافي للمجتمع"محمد عبد السلام المسلاتي،العدد290لسنة2007م.
- الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم) الباحث حسين عبد العظيم محمود ، (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية ، رسالة ماجستير ، غير منشورة .2007 .
- جريدة الأهرام ، قضايا و أراء (انكسار أمة لا أزمة لغة!) الأستاذ فهمي هويدي، الثلاثاء 3 أغسطس 1999، السنة 123-العدد 41147.
-فضاءات : اللغة وفجوة الخطاب الثقافي ، د عبد العظيم رهيف السلطاني ، العدد34 ، 2007م.
- حالة حضارة اقرأ في عصر نهاية الكتاب أو العرب والكتابة من وجهة نظر علم نفس القراءة ، زهير الخويلدي ، مجلة الحياة الثقافية العدد 151 لسنة 2004م.
- الدكتور محمد عبد الله الركن ، ( مأساة فقدان الهوية الوطنية) ، جريدة الخليج ، 1999/2/22(.
- " دور الإعلام في تقويم الواقع اللغوي المعاصر " عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة العلوم التربوية لمؤتمر " التعليم باللغة العربية في مجتمع المعرفة " يوليو 2005م . ص 285
- ندوة : المركز العالمي الدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر فرع سبها ، 2005-07-28 ، د . العارف نصر المسطر . عضو هيئة التدريس بكلية القانون جماعة سبها.
المراجع الإفرنجية :
Language : An Introduction to The Study of Speech, danial,jons1958.-
- Language and Nationalism in Europe, Stephen Barbour,Cathie Carmichael, OXFORD UNIV PR2002
المواقع الإلكترونية :
-www. exchanges.state.gov/NSLI/progs1.
www.govtrack.us/congress/vote.xpd?vote=s2007-198-
. http://www.shafaaq.com/-
WWW.gilgamisg.org/viewarticle.php.?id=history.20061120 -332.-
WWW.ArabianBusiness_com.-
www.Wikipedia.org= National language. –
وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنتhttp://www.unesco.org./ -
فهرس الموضوعات
م
الموضوع
رقم الصفحة
1
مقدمة
أ – ب
2
الفصل الأول
1 – 9
3
الفصل الثاني
10 – 21
4
الفصل الثالث
22- 34
5
الفصل الرابع
35 – 42
6
الفصل الخامس
43 – 52
7
التوصيات
53 – 55
8
المراجع
56 - 57
([1]) اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة ، للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، رقم المبيعA.94.XIV-Vol.1, Part 1، ص 1 .
([2]) " الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 " مجلة دراسات ، ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص50.
[3])) " مأساة فقدان الهوية الوطنية "الدكتور محمد عبد الله الركن ، جامعة العين بدولة الإمارات العربية (، جريدة الخليج ، 1999/2/22(.
(1)" اللغة بين القومية والهوية"، عاطف إسماعيل أحمد، مجلة فكر وإبداع، رابطة الأدب الحديث، الجزء 38، يناير2007م ص 205 .
(2) اللغة والحياة والطبيعية البشرية ، د. بروفسور روي . سي. هجمان . ترجمة داوود حلمي ، جامعة الكويت1989ط1ص 177.
(3) اللغة ، فندريس ، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ، ومحمد القصاص 269 .
(4) اللغة الإعلامية ، د/ عبد العزيز شرف ، المركز الثقافي الجامعي ، 1980 ص 27 .
(5) "اللغة بين والقومية والعالمية"، الدكتور إبراهيم أنيس 169، دار المعارف، القاهرة 1970 م .
[9]) ) الخصائص لابن جني 2/136 .
([10]) الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
([11]) السابق .
[12])) ( مجلة دراسات ، الجديد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير 1988 ، د:عبد الله الحبيب عمار ، العدد(20) لسنة2005 م ص 21)
[13])) ندوة : المركز العالمي الدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر فرع سبها د . العارف نصر المسطر . عضو هيئة التدريس بكلية القانون جماعة سبها ، 2005-07-28 .
([14]) الدستور الليبي - قانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية.
([15]) أساس البلاغة - (ج 1 / ص 38).
([16]) الخصائص لابن جني 2/136.
([17]) فضاءات : اللغة وفجوة الخطاب الثقافي ، د عبد العظيم رهيف السلطاني ، العدد34 ، 2007م.
[18]) ) علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .ص144
([19]) حالة حضارة اقرأ في عصر نهاية الكتاب أو العرب والكتابة من وجهة نظر علم نفس القراءة ، زهير الخويلدي ، مجلة الحياة الثقافية العدد 151 لسنة 2004م.
[20]) ) علم اللغة ، د. عبد الله عبد الحميد سويد ، د. عبد الله علي مصطفى ، دار النشر المدينة القديمة ، سنة النشر 1993 م ، الطبعة الأولى .ص144
([21]) مفهوم التلقي من خلال الأنموذج التواصلي نزار التجديتي ، لنظرية زيجفريد شميت،عالم الفكر،المجلد 35، 2007.ص 296:
[22]))- http://www.shafaaq.com/.
([23] )WWW.gilgamisg.org/viewarticle.php.?id=history.20061120 -332
([24] ) انظر : - (نحو قانون للتخطيط اللغوي في السودان ورقة قدمت للمؤتمر الثالث للغات السودانية ، قاعة الشارقة 5 ـ 7 ديسمبر 1995 ـ الخرطوم ).) جمهورية السودان ـ المجلس الوطني ـ الرئيس ـ قانون المجلس القومي للتخطيط اللغوي لسنة 1997ـ 29 نوفمبر 1997 ـ الخرطوم ).- وثيقة اليونسكو «الإعلان العالمي للحقوق اللسانية» على شبكة الانترنت ـ وثائق اليونسكو: http://www.unesco.org/
[25])) جريدة الأهرام ، قضايا و أراء (انكسار أمة لا أزمة لغة!) الأستاذ فهمي هويدي، الثلاثاء 3 أغسطس 1999، السنة 123-العدد 41147.
[26])) " ملتقى الهوية الوطنية "برعاية وزارتي الثقافة والشباب وتنمية المجتمع تحت عنوان:" التنوع المجتمعي واللغة العربية " في قاعة المؤتمرات بقصر الإمارات في أبو ظبي. WWW.ArabianBusiness_com
[27])) الأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني أستاذ التعليم العالي (متقاعد)، خبير لدى منظمة الإسيسكو في التربية والتعليم، تخصص اللغة العربية، ومبعوث معتمد لديها إلى البلاد الإسلامية. شارك في وضع الكتاب المدرسي للغة العربية بالمغرب ولدى بعض الدول الإسلامية، شارك في توجيه برامج التعليم المعتمدة لدى وزارة التربية الوطنية بالمغرب وفي بعض الدول الإسلامية. شغل عدة مهام إدارية لدى وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي بالمغرب. شارك في الإشراف على برنامج التعريب لتدريس العلوم بالتعليم الأساسي والثانوي، وهو الآن عضو المجلس العلمي للإرشاد الديني.
[28])) الأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان المولى إسماعيل بالمغرب، تخصص النحو العربي، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس. له مشاركات متميزة في الندوات الجامعية، والأنشطة الثقافية المتعلقة باللغة العربية والدراسات القرآنية.
[29])) الأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي أستاذ التعليم العالي متخصص في اللسانيات الحاسوبية، قسم اللغة العربية. جامعة السلطان المولى إسماعيل، وجامعة الأخوين. أستاذ زائر في الجامعات الأمريكية. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. رئيس وحدة الدراسات العليا في اللسانيات. مسئول نشيط في هيئة (النقابة الوطنية للتعليم العالي) بالمغرب.
[30])) مفكر وكاتب مصري في العصر الحديث ، قال كلامه في كتابه " حياتي ".
[31])) الجمعيات اللغوية الأهلية في الوطن العربي: دراسة وتحليل وتقويم) الباحث حسين عبد العظيم محمود ، (معهد البحوث والدراسات العربية) بجامعة الدول العربية ، رسالة ماجستير ، غير منشورة .2007 .
وانظر: www.Wikipedia.org= National language -
([32]) مجلة الثقافة العربية ،" اللغة والنسيج الثقافي للمجتمع"محمد عبد السلام المسلاتي،العدد290لسنة2007م.
([33])"Language and Nationalism in Europe", Stephen Barbour,Cathie Carmichael, OXFORD UNIV PR2002
([34]) العولمة والديمقراطية ، كمال مجيد ، دار الحكمة ، لندن ،2000م . ص 278.
([35])www. exchanges.state.gov/NSLI/progs1. و: www.govtrack.us/congress/vote.xpd?vote=s2007-198
([36] ) ثقافة قومية عربية مفقودة تعبر عصرين للعولمة " فيصل درّاج ، مجلة الحياة 3/3/2004 .
([37] ) كتاب الفكر العربي ، د. خالد عبيدات ، مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007 .
([38]) " دور الإعلام في تقويم الواقع اللغوي المعاصر " عاطف إسماعيل أحمد ، مجلة العلوم التربوية لمؤتمر " التعليم باللغة العربية في مجتمع المعرفة " يوليو 2005م . ص 285
([39]) Language : An Introduction to The Study of Speech, P.7
([40]) السابق ص170 .
([41]) القيم التربوية في ثقافة الطفل ، ص 153.
([42]) اللغة الإعلامية ،ص 23
([43]) بحوث ومقالات في اللغة ، د. رمضان عبد التواب ، الخانجي ، ط 1 1994 .ص 166 .
([44]) لغات البشر ، ماريوباي ، تر:د. صلاح الدين العربي ، القاهرة 1970م ص 108 .
([45]) انظر: النظرية الألسنية – الألسنية التوليدية والتحولية ، ميشال زكريا ،ص 17، 18 ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر التوزيع ، بيروت 1986.
([46]) نظرية تشومسكي ، جون ليونز ، ترجمة د/ حلمي خليل 286.
([47]) اللغات الأجنبية ، ناف خرما ، وعلي حجاج ، عالم المعرفة ، الكويت 1988م ص 76.
([48]) علم اللغة الاجتماعي ، كمال بشر ، ص33
([49])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 22 منشورات مجلة علوم التربية، 1999م.
([50])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 33 .
([51]) انظر : كتاب واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين، سعيد عبد الكريم زيد، مكتبة وهبة بمصر1997م. وانظر : كذلك كتاب المناهج بين الأصالة والتغريب لمحمد صالح بن علي جان، المكتبة المكية بمكة المكرمة، 1998م.
([52])السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل ، د. الحسن مادي ، ص 48- ص49 .
[53])) سورة [العلق: 1].
[54])) سورة [القلم: 1] .
([55] ) انظر: ، اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية، د. خالد يونس خالد ، دراسة أكاديمية، جامعة أوبسالا، السويد، 2005.
انظر: أبراهام بار يوسف، اللغـات السـامية، ترجمة: عمرو زكريا، مجلة واتا، العدد 1 2007.)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق